وهو مناسب لما قبله وذلك لأنه تعالى بيّن أن من يضع نفسه في موضع عبادة غير الله يكون وضع الشيء في غير موضعه فيكون ظالمًا ، فقال إذا ثبت أن الإنس مخلوقون للعبادة فإن الذين ظلموا بعبادة الغير لهم هلاك مثل هلاك من تقدم ، وذلك لأن الشيء إذا خرج عن الانتفاع المطلوب منه ، لا يحفظ وإن كان في موضع يخلي المكان عنه ، ألا ترى أن الدابة التي لا يبقى منتفعًا بها بالموت أو بمرض يخلي عنها الإصطبل ، والطعام الذي يتعفن يبدد ويفرغ منه الإناء ، فكذلك الكافر إذا ظلم ، ووضع نفسه في غير موضعه ، خرج عن الانتفاع فحسن إخلاء المكان عنه وحق نزول الهلاك به ، وفي التفسير مسائل:
المسألة الأولى: فيما يتعلق به الفاء ، وقد ذكرنا لك في وجه التعلق .
المسألة الثانية: ما مناسبة الذنوب؟ نقول العذاب مصبوب عليهم ، كأنه قال تعالى نصب من فوق رؤوسهم ذنوبًا كذنوب صب فوق رؤوس أولئك ، ووجه آخر وهو أن العرب يستقون من الآبار على النوبة ذنوبًا فذنوبًا وذلك وقت عيشهم الطيب ، فكأنه تعالى قال: { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من الدنيا وطيباتها { ذَنُوبًا } أي ملاء ، ولا يكون لهم في الآخرة من نصيب ، كما كان عليه حال أصحابهم استقوا ذبوبًا وتركوها ، وعلى هذا فالذنوب ليس بعذاب ولا هلاك ، وإنما هو رغد العيش وهو أليق بالعربية ، وقوله تعالى: { فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } فإن الرزق ما لم يفرغ لا يأتي الأجل .
ثم أعاد ما ذكر في أول السورة فقال: { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذى يُوعَدُونَ } .
والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .