فهرس الكتاب

الصفحة 3339 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الله هو الذي يتولاه ، وأن الأصنام وعابديها لا يقدرون على الإيذاء والإضرار ، بين في هذه الآية ما هو المنهج القويم والصراط المستقيم في معاملة الناس فقال: { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف } قال أهل اللغة: العفو الفضل وما أتي من غير كلفة .

إذا عرفت هذا فنقول: الحقوق التي تستوفى من الناس وتؤخذ منهم ، إما أن يجوز إدخال المساهلة والمسامحة فيها ، وإما أن لا يجوز .

أما القسم الأول: فهو المراد بقوله: { خُذِ العفو } ويدخل فيه ترك التشدد في كل ما يتعلق بالحقوق المالية؛ ويدخل فيه أيضًا التخلق مع الناس بالخلق الطيب ، وترك الغلظة والفظاظة كما قال تعالى: { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } [ آل عمران: 159 ] ومن هذا الباب أن يدعو الخلق إلى الدين الحق بالرفق واللطف ، كما قال تعالى: { وجادلهم بالتى هِىَ أَحْسَنُ } [ النحل: 125 ] .

وأما القسم الثاني: وهو الذي لا يجوز دخول المساهلة والمسامحة فيه ، فالحكم فيه أن يأمر بالمعروف ، والعرف ، والعارفة ، والمعروف هو كل أمر عرف أنه لا بد من الإتيان به ، وأن وجوده خير من عدمه ، وذلك لأن في هذا القسم لو اقتصر على الأخذ بالعفو ولم يأمر بالعرف ولم يكشف عن حقيقة الحال ، لكان ذلك سعيًا في تغيير الدين وإبطال الحق وأنه لا يجوز ، ثم إنه إذا أمر بالعرف ورغب فيه ونهى عن المنكر ونفر عنه ، فربما أقدم بعض الجاهلين على السفاهة والإيذاء فلهذا السبب قال تعالى في آخر الآية: { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } وقال في آية أخرى: { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا } [ الفرقان: 72 ] وقال: { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } [ المؤمنون: 3 ] وقال في صفة أهل الجنة: { لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا } [ الواقعة: 25 ] وإذا أحاط عقلك بهذا التقسيم ، علمت أن هذه الآية مشتملة على مكارم الأخلاق فيما يتعلق بمعاملة الإنسان مع الغير . قال عكرمة: لما نزلت هذه الآية قال عليه السلام: « يا جبريل ما هذا؟ قال يا محمد إن ربك يقول هو أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك » قال أهل العلم: تفسير جبريل مطابق للفظ الآية لأنك لو وصلت من قطعك ، فقد عفوت عنه ، وإذا آتيت من حرمك فقد آتيت بالمعروف ، وإذا عفوت عمن ظلمك فقد أعرضت عن الجاهلين ، وقال جعفر الصادق Bه: وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية ، وللمفسرين في تفسير هذه الآية طريق آخر فقالوا: { خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف } أي ما عفا لك من أموالهم ، أي ما أتوك به عفوًا فخذه ، ولا تسأل عما وراء ذلك . قالوا: كان هذا قبل فريضة الصدقة فلما نزلت آية وجوب الزكاة صارت هذه الآية منسوخة إلا قوله: { وَأْمُرْ بالعرف } أي بإظهار الدين الحق ، وتقرير دلائله { وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهلين } أي المشركين قالوا: وهذا منسوخ بآية السيف فعلى هذه الطريقة جميع الآية منسوخة إلا قوله: { وَأْمُرْ بالعرف } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت