فهرس الكتاب

الصفحة 3229 من 8321

اعلم أن موسى عليه السلام كان قد ذكر لبني إسرائيل قوله: { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض } [ الأعراف: 129 ] فههنا لما بين تعالى إهلاك القوم بالغرق على وجه العقوبة ، بين ما فعله بالمؤمنين من الخيرات ، وهو أنه تعالى أورثهم أرضهم وديارهم فقال: { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها } والمراد من ذلك الاستضعاف أنه كان يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويأخذ منهم الجزية ويستعملهم في الأعمال الشاقة ، واختلفوا في معنى مشارق الأرض ومغاربها ، فبعضهم حمله على مشارق أرض الشام . ومصر ومغاربها ، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون لعنه الله وأيضًا قوله: { التى بَارَكْنَا فِيهَا } المراد باركنا فيها بالخصب وسعة الأرزاق وذلك لا يليق إلا بأرض الشام .

والقول الثاني: المراد جملة الأرض وذلك لأنه خرج من جملة بني إسرائيل داود وسليمان قد ملك الأرض ، وهذا يدل على أن الأرض ههنا اسم الجنس . وقوله: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إِسْرءيلَ } قيل المراد من { كَلمةُ ربك } قوله: { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض } [ القصص: 5 ] إلى قوله: { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } [ القصص: 6 ] والحسنى تأنيث الأحسن صفة للكلمة ، ومعنى تمت على بني إسرائيل ، مضت عليهم واستمرت ، من قولهم تم عليك الأمر إذا مضى عليك . وقيل: معنى تمام الكلمة الحسنى إنجاز الوعد الذي تقدم بإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض ، وإنما كان الإنجاز تمامًا للكلام لأن الوعد بالشيء يبقى كالشيء المعلق . فإذا حصل الموعود به فقد تم لك الوعد وكمل وقوله: { بِمَا صَبَرُواْ } أي إنما حصل ذلك التمام بسبب صبرهم ، وحسبك به حاثًا على الصبر ، ودالًا على أن من قابل البلاء بالجزع وكله الله إليه ، ومن قابله بالصبر وانتظار النصر ضمن الله له الفرج ، وقرأ عاصم في رواية { وَتَمَّتْ كلمات رَبّكَ الحسنى } ونظيره { مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } [ النجم: 18 ] وقوله: { وَدَمَّرْنَا } قال الليث: الدمار الهلاك التام . يقال: دمر القوم يدمرون دمارًا أي هلكوا ، وقوله: { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } قال ابن عباس يريد الصانع { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } قال الزجاج: يقال عرش يعرش ويعرش إذا بني ، قيل: وما كانوا يعرشون من الجنات ، ومنه قوله تعالى: { جنات معروشات } [ الأنعام: 141 ] وقيل: { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء ، كصرح هامان وفرعون . وقرىء يعرشون بالكسر والضم ، وذكر اليزيدي أن الكسر أفصح ، قال صاحب «الكشاف» : وبلغني أنه قرأ بعض الناس { يغرسون } من غرس الأشجار وما أحسبه إلا تصحيفًا منه ، وهذا آخر ما ذكره الله تعالى من قصة فرعون وقومه وتكذيبهم بآيات الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت