فهرس الكتاب

الصفحة 2447 من 8321

واعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهات اليهود تكلم بعد ذلك مع النصارى في هذه الآية ، والتقدير يا أهل الكتاب من النصارىلا تغلوا في دينكم أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح ، وذلك لأنه تعالى حكى عن اليهود أنهم يبالغون في الطعن في المسيح ، وهؤلاء النصارى يبالغون في تعظيمه وكلا طرفي قصدهم ذميم ، فلهذا قال للنصارى { لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ } وقوله { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان أو روحه ، ونزهوه عن هذه الأحوال . ولما منعهم عن طريق الغول أرشدهم إلى طريق الحق ، وهو أن المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وعبده وأما قوله { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ } .

فاعلم أنا فسرنا ( الكلمة ) في قوله تعالى: { إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح } [ آل عمران: 45 ] والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة كما قال { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ آل عمران: 59 ] أما قوله { وَرُوحٌ مّنْهُ } ففيه وجوه: الأول: أنه جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئًا بغاية الطهارة والنظافة قالوا: إنه روح ، فلما كان عيسى لم يتكون من نطفة الأب وإنما تكون من نفخة جبريل عليه السلام لا جرم وصف بأنه روح ، والمراد من قوله { مِنْه } التشريف والتفضيل كما يقال: هذه نعمة من الله ، والمراد كون تلك النعمة كاملة شريفة . الثاني: أنه كان سببًا لحياة الخلق في أديانهم ، ومن كان كذلك وصف بأنه روح . قال تعالى في صفة القرآن { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] الثالث: روح منه أي رحمة منه ، قيل في تفسير قوله تعالى: { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } [ المجادلة: 22 ] أي برحمة منه ، وقال E: « إنما أنا رحمة مهداة » فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث أنه كان يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سمي روحًا منه . الرابع: أن الروح هو النفخ في كلام العرب ، فإن الروح والريح متقاربان ، فالروح عبارة عن نفخة جبريل وقوله: { مِنْهُ } يعني أن ذلك النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه ، وهذا كقوله { فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا } [ الأنبياء: 91 ] الخامس: قوله { رُوحُ } أدخل التنكير في لفظ { رُوحُ } وذلك يفيد التعظيم ، فكان المعنى: وروح من الأرواح الشريفة القدسية العالية ، وقوله { مِنْهُ } إضافة لذلك الروح إلى نفسه لأجل التشريف والتعظيم .

ثم قال تعالى: { فآمنوا بالله ورسله } أي أن عيسى من رسل الله فآمنوا به كإيمانكم بسائر الرسل ولا تجعلوه إلهًا .

ثم قال: { وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة انتهوا خَيْرًا لَّكُمْ } وفيه مسألتان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت