اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى: { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ، لأنه من جنس هذا الكلام ، لأنه لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب . وقال قوم: موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف ، كأنه قيل: لا نكلف نفسًا منهم إلا وسعها ، وإنما حذف العائد للعلم به .
المسألة الثانية: معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة ، والدليل عليه: أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية إلا يسرها لا عسرها . وأما أقصى الطاقة يسمى جهدًا لا وسعًا ، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود .
المسألة الثالثة: قال الجبائي: هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه ، لأن الله تعالى كذبهم في ذلك ، وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال ، لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى ، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ، لأنه تعالى أن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه ، فذلك تكليفه بما لا يطاق ، لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير مقدور ، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضًا تكليف ما لا يطاق ، لأن على هذا التقدير: لا قدرة للعبد على تكوين ذلك الفعل وتحصيله ، قالوا: وأيضًا إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل ، والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به فكان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ، ثبت فساد هذين الأصلين .
والجواب: أنا نقول وهذا الإشكال أيضًا وارد عليكم ، لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل ، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل ، لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل ، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال ، والثاني باطل ، لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجبًا ، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمرًا بتحصيل الحاصل ، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمرًا بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحًا ، فيكون أمرًا بالجمع بين النقيضين وهو محال ، فكل ما تجعلونه جوابًا عن هذا السؤال ، فهو جوابنا عن كلامكم والله أعلم .