فهرس الكتاب

الصفحة 3095 من 8321

وأما قوله تعالى: { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه ، والغل العقد . قال أهل اللغة: وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب ، أي يدخل ، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ، ويقال: انغل في الشيء ، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة ، كالحب يدخل في صميم الفؤاد .

إذا عرفت هذا فنقول: لهذه الآية تأويلان:

القول الأول: أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ، ومعنى نزع الغل: تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب ، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب ، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب Bه فقال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } .

والقول الثاني: إن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة . قال صاحب «الكشاف» : هذا التأويل أولى من الوجه الأول ، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض ، ولعن بعضهم بعضًا ، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضًا مفارقة لحال أهل النار .

فإن قالوا: كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة ، والدرجات العالية ، ويرى نفسه محرومًا عنها عاجزًا عن تحصيلها ، ثم إنه لا يميل طبعه إليها ، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها ، فإن عقل ذلك ، فلم لا يعقل أيضًا أن يعيدهم الله تعالى ، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل ، والشرب والوقاع ، ويغنيهم عنها؟

قلنا: الكل ممكن ، والله تعالى قادر عليه ، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب ، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس ، فظهر الفرق بين البابين .

ثم إنه تعالى قال: { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } والمعنى: أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم باللَّذات العظيمة ، وقوله: { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } من رحمة الله وفضله وإحسانه ، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية .

ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا: { الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } وقال أصحابنا: معنى { هَدَانَا الله } أنه أعطى القدرة ، وضم إليها الداعية الجازمة ، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجبًا لحصول تلك الفضيلة فإنه لو أعطى القدرة ، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضًا لسائر الدواعي الصارفة ، لم يحصل الفعل أيضًا . أما لما خلق القدرة ، وخلق الداعية الجازمة ، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجبًا للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير الله تعالى ، وتخليقه وتكوينه . وقالت المعتزلة: التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل ، وأزال الموانع ، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت