فهرس الكتاب

الصفحة 1418 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: المبارزة في الحروب ، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال ، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز ، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز ، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه .

المسألة الثانية: أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله ، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم ، والكثرة في جانب عدوهم ، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع ، فقالوا: { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين: { وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } [ آل عمران: 146 ] إلى قوله: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } [ آل عمران: 147 ] وهكذا كان يفعل رسول الله A في كل المواطن ، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده ، وكان متى لقي عدوًا قال: « اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم » وكان يقول: « اللهم بك أصول وبك أجول » .

المسألة الثالثة: الإفراغ الصب ، يقال: أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه ، وأصله من الفراغ ، يقال: فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله ، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه ، وإنما يخلو بصب كل ما فيه .

إذا عرفت هذا فنقول قوله: { أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين أحدهما: أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه ، وهذا يدل على التأكيد والثاني: أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه ، وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى: أفرغ علينا صبرًا: أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه .

المسألة الرابعة: اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها: أن يكون الإنسان صبورًا على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة ، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جبانًا لا يحصل منه مقصود أصلًا وثانيها: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار وثالثها: أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو .

إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى: هي المراد من قوله: { أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } والثانية: هي المراد بقوله: { وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } والثالثة: هي المراد بقوله: { وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت