ثم إنه تعالى بين حال أولئك الذين نهوا عن النجوى فقال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } واختلفوا في أنهم من هم؟ فقال الأكثرون: هم اليهود ، ومنهم من قال: هم المنافقون ، ومنهم من قال: فريق من الكفار ، والأول أقرب ، لأنه تعالى حكى عنهم فقال: { وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله } ، وهذا الجنس فيما روي وقع من اليهود ، فقد كانوا إذا سلموا على الرسول عليه السلام قالوا: السام عليك ، يعنون الموت ، والأخبار في ذلك متظاهرة ، وقصة عائشة فيها مشهورة .
ثم قال تعالى: { ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: قال المفسرون: إنه صح أن أولئك الأقوام كانوا يتناجون فيما بينهم ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم ، فيحزنون لذلك ، فلما أكثروا ذلك شكا المسلمون ذلك إلى رسول الله A ، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين ، فلم ينتهوا عن ذلك وعادوا إلى مناجاتهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وقوله: { ويتناجون بالإثم والعدوان } يحتمل وجهين أحدهما: أن الإثم والعدوان هو مخالفتهم للرسل في النهي عن النجوى لأن الإقدام على المنهي يوجب الإثم والعدوان ، سيما إذا كان ذلك الإقدام لأجل المناصبة وإظهار التمرد . والثاني: أن الإثم والعدوان هو ذلك السر الذي كان يجري بينهم ، لأنه إما مكر وكيد بالمسلمين أو شيء يسوءهم .
المسألة الثانية: قرأ حمزة وحده ، ( ويتنجون ) بغير ألف ، والباقون: { يتناجون } ، قال أبو علي: ينتجون يفتعلون من النجوى ، والنجوى مصدر كالدعوى والعدوى ، فينتجون ويتناجون واحد ، فإن يفتعلون ، ويتفاعلون ، قد يجريان مجرى واحد ، كما يقال: ازدوجوا ، واعتوروا ، وتزاوجوا وتعاوروا ، وقوله تعالى: { حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا } [ الأعراف: 38 ] وادركوا فادركوا افتعلوا ، وادركوا تفاعلوا وحجة من قرأ: { يتناجون } ، قوله: { إِذَا ناجيتم الرسول } [ المجادلة: 12 ] { وتناجوا بالبر والتقوى } [ المجادلة: 9 ] فهذا مطاوع ناجيتم ، وليس في هذا رد لقراءة حمزة: ينتجون ، لأن هذا مثله في الجواز ، وقوله تعالى: { ومعصية الرسول } قال صاحب الكشاف: قرىء ( ومعصيات الرسول ) ، والقولان ههنا كما ذكرناه في الإثم والعدوان وقوله: { وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله } يعني أنهم يقولون في تحيتك: السام عليك يا محمد والسام الموت ، والله تعالى يقول: { وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } [ النمل: 59 ] و { يا أيها الرَّسُول } و { ياأيها النبي } ثم ذكر تعالى أنهم { يَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ } يعني أنهم يقولون في أنفسهم: إنه لو كان رسولًا فلم لا يعذبنا الله بهذا الاستخفاف .
ثم قال تعالى: { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير } والمعنى أن تقدم العذاب إنما يكون بحسب المشيئة ، أو بحسب المصلحة ، فإذا لم تقتض المشيئة تقديم العذاب ، ولم يقتض الصلاح أيضًا ذلك ، فالعذاب في القيامة كافيهم في الردع عما هم عليه .