فهرس الكتاب

الصفحة 7392 من 8321

أما قوله: { تبارك } فقد فسرناه في أول سورة الفرقان ، وأما قوله: { بِيَدِهِ الملك } فاعلم أن هذه اللفظة إنما تستعمل لتأكيد كونه تعالى ملكًا ومالكًا ، كما يقال: بيد فلان الأمر والنهي والحل والعقد ولا مدخل للجارحة في ذلك . قال صاحب «الكشاف» : { بِيَدِهِ الملك } على كل موجود ، { وَهُوَ على كُلّ } ما لم يوجد من الممكنات { قَدِيرٌ } ، وقوله: { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه الآية احتج بها من زعم أن المعدوم شيء ، فقال قوله: { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يقتضي كون مقدوره شيئًا ، فذلك الشيء الذي هو مقدور الله تعالى ، إما أن يكون موجودًا أو معدومًا ، لا جائز أن يكون موجودًا ، لأنه لو كان قادرًا على الموجود ، لكان إما أن يكون قادرًا على إيجاده وهو محال ، لأن إيجاد الموجود محال ، وإما أن يكون قادرًا على إعدامه وهو محال ، لاستحالة وقوع الإعدام بالفاعل ، وذلك لأن القدرة صفة مؤثرة فلا بد لها من تأثير ، والعدم نفي محض ، فيستحيل جعل العدم أثر القدرة ، فيستحيل وقوع الإعدام بالفاعل فثبت أن الشيء الذي هو مقدور الله ليس بموجود ، فوجب أن يكون معدومًا ، فلزم أن يكون ذلك المعدوم شيئًا ، واحتج أصحابنا النافون لكون المعدوم شيئًا بهذه الآية فقالوا: لا شك أن الجوهر من حيث إنه جوهر شيء والسواد من حيث هو سواد شيء ، والله قادر على كل شيء . فبمقتضى هذه الآية يلزم أن يكون قادرًا على الجوهر من حيث إنه جوهر ، وعلى السواد من حيث هو سواد ، وإذا كان كذلك كان كون الجوهر جوهرًا ، والسواد سوادًا واقعًا بالفاعل ، والفاعل المختار لا بد وأن يكون متقدمًا على فعله ، فإذًا وجود الله وذاته متقدم على كون الجوهر جوهرًا ، أو السواد سوادًا ، فيلزم أن لا يكون المعدوم شيئًا وهو المطلوب ، ثم أجابوا عن شبهة الخصم بأنا لا نسلم أن الإعدام لا يقع بالفاعل ، ولئن سلمنا ذلك ، لكن لم يجوز أن يقال المقدور الذي هو معدوم سمي شيئًا ، لأجل أنه سيصير شيئًا ، وهذا وإن كان مجازًا إلا أنه يجب المصير إليه ، لقيام سائر الدلائل الدالة على أن المعدوم ليس بشيء .

المسألة الثانية: زعم القاضي أبو بكر في أحد قوليه أن إعدام الأجسام إنما يقع بالفاعل ، وهذا اختيار أبي الحسن الخياط من المعتزلة ، ومحمود الخوارزمي ، وزعم الجمهور منا ومن المعتزلة أنه يستحيل وقوع الإعدام بالفاعل ، احتج القاضي بأن الموجودات أشياء ، والله على كل شيء قدير ، فهو إذًا قادر على الموجودات ، فإما أن يكون قادرًا على إيجادها وهو محال لأن إيجاد الموجود محال ، أو على إعدامها ، وذلك يقتضي إمكان وقوع الإعدام بالفاعل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت