قوله تعالى: { والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } قال الزجاج: { الذين } رفع بالابتداء وخبره فعليهم تحرير رقبة ، ولم يذكر عليهم لأن في الكلام دليلًا عليه ، وإن شئت أضمرت فكفارتهم تحرير رقبة . أما قوله تعالى: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } فاعلم أنه كثر اختلاف الناس في تفسير هذه الكلمة ، ولا بد أولًا من بيان أقوال أهل العربية في هذه الكلمة ، وثانيًا من بيان أقوال أهل الشريعة ، وفيها مسائل:
المسألة الأولى: قال الفراء: لا فرق في اللغة بين أن يقال: يعودون لما قالوا ، وإلى ما قالوا وفيما قالوا ، أبو علي الفارسي: كلمة إلى واللام يتعاقبان ، كقوله: { الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } [ الأعراف: 43 ] وقال: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } [ الصافات: 23 ] وقال تعالى: { وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ } [ هود: 36 ] وقال: { بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } [ الزلزلة: 5 ] .
المسألة الثانية: لفظ { مَا قَالُواْ } في قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } فيه وجهان أحدهما: أنه لفظ الظهار ، والمعنى أنهم يعودون إلى ذلك اللفظ والثاني: أن يكون المراد بقوله: { لِمَا قَالُواْ } المقول فيه ، وهو الذي حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار ، تنزيلًا للقول منزلة المقول فيه ، ونظيره قوله تعالى: { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ } [ مريم: 80 ] أي ونرثه المقول ، وقال عليه السلام:"العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"وإنما هو عائد في الموهوب ، ويقول الرجل: اللهم أنت رجاؤنا ، أي مرجونا ، وقال تعالى: { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر: 99 ] أي الموقن به ، وعلى هذا معنى قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي يعودون إلى الشيء الذي قالوا فيه ذلك القول ، ثم إذا فسرنا هذا اللفظ بالوجه الأول فنقول: قال أهل اللغة ، يجوز أن يقال: عاد لما فعل ، أي فعله مرة أخرى ، ويجوز أن يقال: عاد لما فعل ، أي نقض ما فعل ، وهذا كلام معقول ، لأن من فعل شيئًا ثم أراد أن يقال مثله ، فقد عاد إلى تلك الماهية لا محالة أيضًا ، وأيضًا من فعل شيئًا ثم أراد إبطاله فقد عاد إليه ، لأن التصرف في الشيء بالإعدام لا يمكن إلا بالعود إليه .
المسألة الثالثة: ظهر مما قدمنا أن قوله: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } يحتمل أن يكون المراد ثم يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة ، ويحتمل أن يكون المراد منه ، ثم يعودون إلى تكوين مثله مرة أخرى ، أما الاحتمال الأول فهو الذي ذهب إليه أكثر المجتهدين واختلفوا فيه على وجوه: الأول: وهو قول الشافعي أن معنى العود لما قالوا السكوت عن الطلاق بعد الظهار زمانًا يمكنه أن يطلقها فيه ، وذلك لأنه لما ظاهر فقد قصد التحريم ، فإن وصل ذلك بالطلاق فقد تمم ما شرع منه من إيقاع التحريم ، ولا كفارة عليه ، فإذا سكت عن الطلاق ، فذاك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من التحريم ، فحينئذ تجب عليه الكفارة ، واحتج أبو بكر الرازي في «أحكام القرآن» على فساد هذا القول من وجهين: الأول: أنه تعالى قال: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } وثم تقتضي التراخي ، وعلى هذا القول يكون المظاهر عائدًا عقيب القول بلا تراخ ، وذلك خلاف مقتضى الآية الثاني: أنه شبهها بالأم والأم لا يحرم إمساكها ، فتشبيه الزوجة بالأم لا يقتضي حرمة إمساك الزوجة ، فلا يكون إمساك الزوجة نقضًا لقوله: أنت علي كظهر أمي ، فوجب أن لا يفسر العود بهذا الإمساك والجواب عن الأول: أن هذا أيضًا وارد على قول أبي حنيفة فإنه جعل تفسير العود استباحة الوطء ، فوجب أن لا يتمكن المظاهر من العود إليها بهذا التفسير عقيب فراغه من التلفظ بلفظ الظهار حتى يحصل التراخي ، مع أن الأمة مجمعة على أن له ذلك ، فثبت أن هذا الإشكال وارد عليه أيضًا ، ثم نقول: إنه ما لم ينقض زمان يمكنه أن يطلقها فيه ، لا يحكم عليه بكونه عائدًا ، فقد تأخر كونه عائدًا عن كونه مظاهرًا بذلك القدر من الزمان ، وذلك يكفي في العمل بمقتضى كلمة: ثم والجواب عن الثاني: أن الأم يحرم إمساكها على سبيل الزوجية ويحرم الاستمتاع بها ، فقوله: أنت علي كظهر أمي ، ليس فيه بيان أن التشبيه وقع في إمساكها على سبيل الزوجية ، أو في الاستمتاع بها ، فوجب حمله على الكل ، فقوله: أنت علي كظهر أمي ، يقتضي تشبيهها بالأم في حرمة إمساكها على سبيل الزوجية ، فإذا لم يطلقها فقد أمسكها على سبيل الزوجية ، فكان هذا الإمساك مناقضًا لمقتضى قوله: أنت علي كظهر أمي ، فوجب الحكم عليه بكونه عائدًا ، وهذا كلام ملخص في تقرير مذهب الشافعي الوجه الثاني: في تفسير العود ، وهو قول أبي حنيفة: أنه عبارة عن استباحة الوطء والملامسة والنظر إليها بالشهوة ، قالوا: وذلك لأنه لما شبهها بالأم في حرمة هذه الأشياء ، ثم قصد استباحة هذه الأشياء كان ذلك مناقضًا لقوله: أنت علي كظهر أمي ، واعلم أن هذا الكلام ضعيف ، لأنه لما شبهها بالأم ، لم يبين أنه في أي الأشياء شبهها بها ، فليس صرف هذا التشبيه إلى حرمة الاستمتاع ، وحرمة النظر أولى من صرفه إلى حرمة إمساكها على سبيل الزوجية ، فوجب أن يحمل هذا التشبيه على الكل ، وإذا كان كذلك ، فإذا أمسكها على سبيل الزوجية لحظة ، فقد نقض حكم قوله: أنت علي كظهر أمي ، فوجب أن يتحقق العود الوجه الثالث: في تفسير العود وهو قول مالك: أن العود إليها عبارة عن العزم على جماعها وهذا ضعيف ، لأن القصة إلى جماعها لا يناقض كونها محرمة إنما المناقض لكونها محرمة القصد إلى استحلال جماعها ، وحينئذ نرجع إلى قول أبي حنيفة C الوجه الرابع: في تفسير العود وهو قول طاوس والحسن البصري: أن العود إليها عبارة عن جماعها ، وهذا خطأ لأن قوله تعالى: { ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } بفاء التعقيب في قوله: { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } يقتضي كون التكفير بعد العود ، ويقتضي قوله: { مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } أن يكون التكفير قبل الجماع ، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون التكفير بعد العود ، وقبل الجماع ، جب أن يكون العود غير الجماع ، واعلم أن أصحابنا قالوا: العود المذكور ههنا ، هب أنه صالح للجماع ، أو للعزم على الجماع ، أو لاستباحة الجماع ، إلا أن الذي قاله الشافعي C ، هو أقل ما ينطلق عليه الاسم فيجب تعليق الحكم عليه لأنه هو الذي به يتحقق مسمى العود ، وأما الباقي فزيادة لا دليل عليها ألبتة .