فهرس الكتاب

الصفحة 1849 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن في قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } قولين أحدهما: أن قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كلام تام ، وقوله { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كلام مستأنف لبيان قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كما وقع قوله { تَأْمُرُونَ بالمعروف } [ آل عمران: 110 ] بيانًا لقوله { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [ آل عمران: 110 ] والمعنى أن أهل الكتاب الذين سبق ذكرهم ليسوا سواء ، وهو تقرير لما تقدم من قوله { مّنْهُمُ المؤمنون وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } ، ثم ابتدأ فقال: { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } وعلى هذا القول احتمالان أحدهما: أنه لما قال: { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } كان تمام الكلام أن يقال: ومنهم أمة مذمومة ، إلا أنه أضمر ذكر الأمة المذمومة على مذهب العرب من أن ذكر أحد الضدين يغني عن ذكر الضد الآخر وتحقيقه أن الضدين يعلمان معًا ، فذكر أحدهما يستقل بإفادة العلم بهما ، فلا جرم يحسن إهمال الضد الآخر .

قال أبو ذؤيب:

دعاني إليها القلب إني لامرؤ ... مطيع فلا أدري أرشد طلابها

أراد ( أم غي ) فاكتفى بذكر الرشد عن ذكر الغي ، وهذا قول الفراء وابن الأنباري ، وقال الزجاج: لا حاجة إلى إضمار الأمة المذمومة ، لأن ذكر الأمة المذمومة قد جرى فيما قبل هذه الآيات فلا حاجة إلى إضمارها مرة أخرى ، لأنا قد ذكرنا أنه لما كان العلم بالضدين معًا كان ذكر أحدهما مغنيًا عن ذكر الآخر ، وهذا كما يقال زيد وعبد الله لا يستويان زيد عاقل ديّن زكي ، فيغني هذا عن أن يقال: وعبد الله ليس كذلك ، فكذا ههنا لما تقدم قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } أغنى ذلك عن الإضمار .

والقول الثاني: أن قوله { لَيْسُواْ سَوَاء } كلام غير تام ولا يجوز الوقف عنده ، بل هو متعلق بما بعده ، والتقدير: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأمة مذمومة ، فأمة رفع بليس وإنما قيل { لَّيْسُواْ } على مذهب من يقول: أكلوني البراغيث ، وعلى هذا التقدير لا بد من إضمار الأمة المذمومة وهو اختيار أبي عبيدة إلا أن أكثر النحويين أنكروا هذا القول لاتفاق الأكثرين على أن قوله أكلوني البراغيث وأمثالها لغة ركيكة ، والله أعلم .

المسألة الثانية: يقال فلان وفلان سواء ، أي متساويان وقوم سواء ، لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع ومضى الكلام في { سَوَآء } في أول سورة البقرة .

المسألة الثالثة: في المراد بأهل الكتاب قولان الأول: وعليه الجمهور: أن المراد منه الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام ، روي أنه لما أسلم عبد الله بن سلاّم وأصحابه قال لهم بعض كبار اليهود: لقد كفرتم وخسرتم ، فأنزل الله تعالى لبيان فضلهم هذه الآية ، وقيل: إنه تعالى لما وصف أهل الكتاب في الآية المتقدمة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك ، بل فيهم من يكون موصوفًا بالصفات الحميدة والخصال المرضية ، قال الثوري: بلغني أنها نزلت في قوم كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء ، وعن عطاء: أنها نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثلاثة من الروم كانوا على دين عيسى وصدقوا بمحمد E .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت