اعلم أن هذا النوع الخامس من الدلائل الدالة على كمال قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته ورحمته ووجوه إحسانه إلى خلقه .
واعلم أن هذه الدلائل كما أنها دلائل فهي أيضًا نعم بالغة ، وإحسانات كاملة ، والكلام إذا كان دليلًا من بعض الوجوه ، وكان إنعامًا وأحسانًا من سائر الوجوه . كان تأثيره في القلب عظيمًا ، وعند هذا يظهر أن المشتغل بدعوة الخلق إلى طريق الحق لا ينبغي أن يعدل عن هذه الطريقة . وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: ظاهر قوله تعالى: { وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } يقتضي نزول المطر من السماء ، وعند هذا اختلف الناس ، فقال أبو علي الجبائي في «تفسيره» : إنه تعالى ينزل الماء من السماء إلى السحاب ، ومن السحاب إلى الأرض . قال لأن ظاهر النص يقتضي نزول المطر من السماء ، والعدول عن الظاهر إلى التأويل ، إنما يحتاج إليه عند قيام الدليل على أن إجراء اللفظ على ظاهره غير ممكن ، وفي هذا الموضع لم يقم دليل على امتناع نزول المطر من السماء ، فوجب إجراء اللفظ على ظاهره .
وأما قول من يقول: إن البخارات الكثيرة تجتمع في باطن الأرض . ثم تصعد وترتفع إلى الهواء ، فينعقد الغيم منها ويتقاطر ، وذلك هو المطر ، فقد احتج الجبائي على فساده من وجوه: الأول: أن البرد قد يوجد في وقت الحر ، بل في صميم الصيف ، ونجد المطر في أبرد وقت ينزل غير جامد ، وذلك يبطل قولهم .
ولقائل أن يقول: إن القوم يجيبون عنه فيقولون: لا شك أن البخار أجزاء مائية وطبيعتها البرد ، ففي وقت الصيف يستولي الحر على ظاهر السحاب ، فيهرب البرد إلى باطنه ، فيقوى البرد هناك بسبب الاجتماع ، فيحدث البرد ، وأما في وقت برد الهواء يستولي البرد على ظاهر السحاب ، فلا يقوى البرد في باطنه ، فلا جرم لا ينعقد جمدًا بل ينزل ماء ، هذا ما قالوه . ويمكن أن يجاب عنه بأن الطبقة العالية من الهواء باردة جدًا عندكم ، فإذا كان اليوم يومًا باردًا شديد البرد في صميم الشتاء ، فتلك الطبقة باردة جدًا ، والهواء المحيط بالأرض أيضًا بارد جدًا ، فوجب أن يشتد البرد ، وأن لا يحدث المطر في الشتاء البتة ، وحيث شاهدنا أنه قد يحدث فسد قولكم ، والله أعلم .
الحجة الثانية: مما ذكره الجبائي أنه قال: إن البخارات إذا ارتفعت وتصاعدت تفرقت وإذا تفرقت لم يتولد منها قطرات الماء ، بل البخار إنما يجتمع إذا اتصل بسقف متصل أملس كسقوف الحمامات المزججة . أما إذا لم يكن كذلك لم يسل منه ماء كثير ، فإذا تصاعدت البخارات في الهواء ، وليس فوقها سطح أملس متصل به تلك البخارات ، وجب أن لا يحصل منها شيء من الماء . ولقائل أن يقول: القوم يجيبون عنه: بأن هذه البخارات إذا تصاعدت وتفرقت ، فإذا وصلت عند صعودها وتفرقها إلى الطبقة الباردة من الهواء بردت ، والبرد يوجب الثقل والنزول ، فبسبب قوة ذلك البرد عادت من الصعود إلى النزول ، والعالم كروي الشكل ، فلما رجعت من الصعود إلى النزول ، فقد رجعت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، فتلك الذرات بهذا السبب تلاصقت وتواصلت ، فحصل من اتصال بعض تلك الذرات بعض قطرات الأمطار .