الحجة الثالثة: ما ذكره الجبائي قال: لو كان تولد المطر من صعود البخارات ، فالبخارات دائمة الارتفاع من البحار ، فوجب أن يدوم هناك نزول المطر ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا فساد قولهم . قال: فثبت بهذه الوجوه ، أنه ليس تولد المطر من بخار الأرض ، ثم قال: والقوم إنما احتاجوا إلى هذا القول ، لأنهم اعتقدوا أن الأجسام قديمة ، وإذا كانت قديمة امتنع دخول الزيادة والنقصان فيها ، وحينئذ لا معنى لحدوث الحوادث إلا اتصاف تلك الذرات بصفة بعد أن كانت موصوفة بصفات أخرى ، فلهذا السبب احتالوا في تكوين كل شيء عن مادة معينة ، وأما المسلمون . فلما اعتقدوا أن الأجسام محدثة ، وأن خالق العالم فاعل مختار قادر على خلق الأجسام كيف شاء وأراد ، فعند هذا لا حاجة إلى استخراج هذه التكلفات ، فثبت أن ظاهر القرآن يدل في هذه الآية على أن الماء إنما ينزل من السماء ، ولا دليل على امتناع هذا الظاهر ، فوجب القول بحمله على ظاهره ، ومما يؤكد ما قلناه: أن جميع الآيات ناطقة بنزول المطر من السماء . قال تعالى: { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء طَهُورًا } [ الفرقان: 48 ] وقال: { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } [ الأنفال: 11 ] وقال: { وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } [ النور: 43 ] فثبت أن الحق ، أنه تعالى ينزل المطر من السماء بمعنى أنه يخلق هذه الأجسام في السماء . ثم ينزلها إلى السحاب . ثم من السحاب إلى الأرض .
والقول الثاني: المراد إنزال المطر من جانب السماء ماء .
والقول الثالث: أنزل من السحاب ماء وسمى الله تعالى السحاب سماء ، لأن العرب تسمي كل ما فوقك سماء كسماء البيت ، فهذا ما قيل في هذا الباب .
المسألة الثانية: نقل الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس: يريد بالماء ههنا المطر ولا ينزل نقطة من المطر إلا ومعها ملك ، والفلاسفة يحملون ذلك الملك على الطبيعة الحالة في تلك الجسمية الموجبة لذلك النزول ، فأما أن يكون معه ملك من ملائكة السموات ، فالقول به مشكل والله أعلم .
المسألة الثالثة: قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } فيه أبحاث:
البحث الأول: ظاهر قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } يدل على أنه تعالى إنما أخرج النبات بواسطة الماء ، وذلك يوجب القول بالطبع والمتكلمون ينكرونه ، وقد بالغنا في تحقيق هذه المسألة في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: