{ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ } [ البقرة: 22 ] فلا فائدة في الإعادة .
البحث الثاني: قال الفراء: قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } ظاهره يقتضي أن يكون لكل شيء نبات . وليس الأمر كذلك ، فكان المراد فأخرجنا به نبات كل شيء له نبات ، فإذا كان كذلك ، فالذي لا نبات له لا يكون داخلًا فيه .
البحث الثالث: قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } بعد قوله: { أَنَزلَ } يسمى التفاتًا . ويعد ذلك من الفصاحة .
واعلم أن أصحاب العربية ادعوا أن ذلك يعد من الفصاحة . وما بينوا أنه من أي الوجوه يعد من هذا الباب؟ وأما نحن فقد أطنبنا فيه في تفسير قوله تعالى: { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } [ يونس: 22 ] فلا فائدة في الإعادة .
والبحث الرابع: قوله: { فَأَخْرَجْنَا } صيغة الجمع . والله واحد فرد لا شريك له ، إلا أن الملك العظيم إذا كنى عن نفسه ، فإنما يكنى بصيغة الجمع ، فكذلك ههنا . ونظيره قوله: { إِنَّا أنزلناه } [ الدخان: 3 ] . { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا } [ نوح: 1 ] . { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر: 9 ] .
أما قوله: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا } فقال الزجاج: معنى خضر ، كمعنى أخضر ، يقال أخضر فهو أخضر وخضر ، مثل أعور فهو أعور وعور . وقال الليث: الخضر في كتاب الله هو الزرع وفي الكلام كل نبات من الخضر ، وأقول إنه تعالى حصر النبت في الآية المتقدمة في قسمين: حيث قال: { إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } فالذي ينبت من الحب هو الزرع ، والذي ينبت من النوى هو الشجر فاعتبر هذه القسمة أيضًا في هذه الآية فابتدأ بذكر الزرع ، وهو المراد بقوله: { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا } وهو الزرع ، كما رويناه عن الليث . وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والسلت والذرة والأرز ، والمراد من هذا الخضر العود الأخضر الذي يخرج أولًا ويكون السنبل في أعلاه وقوله: { نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا } يعني يخرج من ذلك الخضر حبًا متراكبًا بعضه على بعض في سنبلة واحدة ، وذلك لأن الأصل هو ذلك العود الأخضر وتكون السنبلة مركبة عليه من فوقه وتكون الحبات متراكبة بعضها فوق بعض ، ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الأبر ، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة .
ولما ذكر ما ينبت من الحب أتبعه بذكر ما ينبت من النوى ، وهو القسم الثاني فقال: { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قنوان دَانِيَةٌ } وههنا مباحث:
البحث الأول: أنه تعالى قدم ذكر الزرع على ذكر النخل ، وهذا يدل على أن الزرع أفضل من النخل . وهذا البحث قد أفرد الجاحظ فيه تصنيفًا مطولًا .
البحث الثاني: روى الواحدي عن أبي عبيدة أنه قال: أطلعت النخل إذا أخرجت طلعها وطلعها كيزانها قبل أن ينشق عن الأغريض ، والأغريض يسمى طلعًا أيضًا . قال والطلع أول ما يرى من عذق النخلة ، الواحدة طلعة . وأما { قِنْوانٌ } فقال الزجاج: القنوان جمع قنو . مثل صنوان وصنو . وإذا ثنيت القنو قلت قنوان بكسر النون ، فجاء هذا الجمع على لفظ الاثنين والإعراب في النون للجمع .