فهرس الكتاب

الصفحة 2901 من 8321

إذا عرفت تفسير اللفظ فنقول: قوله: { قنوان دَانِيَةٌ } قال ابن عباس: يريد العراجين التي قد تدلت من الطلع دانية ممن يجتنيها . وروي عنه أيضًا أنه قال: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض قال الزجاج: ولم يقل ومنها قنوان بعيدة لأن ذكر أحد القسمين يدل على الثاني كما قال: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] ولم يقل سرابيل تقيكم البرد ، لأن ذكر أحد الضدين يدل على الثاني ، فكذا ههنا وقيل أيضًا: ذكر الدانية في القريبة ، وترك البعيدة لأن النعمة في القريبة أكمل وأكثر .

والبحث الثالث: قال صاحب «الكشاف» { قِنْوانٌ } رفع بالابتداء { وَمِنَ النخل } خبره { وَمِنْ طَلْعِهَا } بدل منه كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان ، ويجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة أخرجنا عليه تقديره ، ومخرجه من طلع النخل قنوان . ومن قرأ يخرج منه { حب متراكب } كان { قِنْوانٌ } عنده معطوفًا على قوله: { حُبَّ } وقرىء { قنوان } بضم القاف وبفتحها على أنه اسم جمع كركب لأن فعلان ليس من باب التكسير .

ثم قال تعالى: { وجنات مّنْ أعناب والزيتون والرمان } وفيه أبحاث:

البحث الأول: قرأ عاصم: { جنات } بضم التاء ، وهي قراءة علي Bه: والباقون { جنات } بكسر التاء . أما القراءة الأولى فلها وجهان: الأول: أن يراد ، وثم وجنات من أعناب أي مع النخل والثاني: أن يعطف على { قِنْوانٌ } على معنى وحاصلة أو ومخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب وأما القراءة بالنصب فوجهها العطف على قوله: { نَبَاتَ كُلّ شَىْء } والتقدير: وأخرجنا به جنات من أعناب ، وكذلك قوله: { والزيتون والرمان } [ الأنعام: 141 ] قال صاحب «الكشاف» : والأحسن أن ينتصبا على الاختصاص كقوله تعالى: { والمقيمين الصلاة } [ النساء: 162 ] لفضل هذين الصنفين .

والبحث الثاني: قال الفراء: قوله: { والزيتون والرمان } يريد شجر الزيتون ، وشجر الرمان كما قال: { واسئل القرية } [ يوسف: 82 ] يريد أهلها .

البحث الثالث: اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار . النخل والعنب والزيتون والرمان ، وإنما قدم الزرع على الشجر لأن الزرع غذاء ، وثمار الأشجار فواكه ، والغذاء مقدم على الفاكهة ، وإنما قدم النخل على سائر الفواكه لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات ، ولهذا المعنى قال E:"أكرموا عمتكم النخلة ، فإنها خلقت من بقية طينة آدم"وإنما ذكر العنب عقيب النخل لأن العنب أشرف أنواع الفواكه ، وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعًا به إلى آخر الحال فأول ما يظهر على الشجر يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم لذيذة المطعم ، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه ، ثم بعده يظهر الحصرم ، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى ، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق نافعة لأصحاب الصفراء ، وقد يتخذ الطبيخ منه ، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة . ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها ، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر ، وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة ثم يبقى منه أربعة أنواع من المتناولات ، وهي الزبيب والدبس والخمر والخل ، ومنافع هذه الأربعة لا يمكن ذكرها إلى في المجلدات ، والخمر ، وإن كان الشرع قد حرمها ، ولكنه تعالى قال في صفتها: { ومنافع لِلنَّاسِ } ثم قال: { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } فأحسن ما في العنب عجمه . والأطباء يتخذون منه جوارشنات عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة ، فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه ، وأما الزيتون فهو أيضًا كثير النفع لأنه يمكن تناوله كما هو ، وينفصل أيضًا عنه دهن كثير عظيم النفع في الأكل وفي سائر وجوه الاستعمال . وأما الرمان فحاله عجيب جدًا ، وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: قشره وشحمه وعجمه وماؤه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت