فهرس الكتاب

الصفحة 1752 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بيّن حال الطائفة التي لا تشعر بما في التوراة من دلالة نبوّة محمد A ، بيّن أيضًا حال الطائفة العارفة بذلك من أحبارهم .

فقال: { يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { لَمْ } أصلها لما ، لأنها: ما ، التي للاستفهام ، دخلت عليها اللام فحذفت الألف لطلب الخفة ، ولأن حرف الجر صار كالعوض عنها ولأنها وقعت طرفًا ويدل عليها الفتحة وعلى هذا قوله { عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } [ النبأ: 1 ] و { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } [ الحجر: 54 ] والوقف على هذه الحروف يكون بالهاء نحو: فبمه ، ولمه .

المسألة الثانية: في قوله { بآيات الله } وجوه الأول: أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة والإنجيل ، وعلى هذا القول فيه وجوه أحدها: ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد عليه السلام ، ومنها ما في هذين الكتابين ، أن إبراهيم عليه السلام كان حنيفًا مسلمًا ، ومنها أن فيهما أن الدين هو الإسلام .

واعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول: إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز والثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوّة محمد A .

فأما قوله تعالى: { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين ، وعند حضور عوامهم ، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوّة محمد A ، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها ، ومثله قوله تعالى: { تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } [ آل عمران: 99 ] .

واعلم أن تفسير الآية بهذا القول ، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه E أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم ، ويظهرون غيره ، ولا شك أن الإخبار عن الغيب معجز .

القول الثاني: في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزًا ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزًا .

القول الثالث: أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي A وعلى هذا القول فقوله تعالى: { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم ، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من الله تعالى فإذا شهدتهم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من هذا الوجه ، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد A كان إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضًا لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على صدقهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت