النوع التاسع
قرىء خطوات بضم الطاء وسكونها ، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطوًا ، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول ، والجمع يفتح أوله ويضم ، والمراد بذلك السيرة والطريقة ، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله: { وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر } ومعلوم أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك ، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على اتباع خطواته بقوله: { وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان } وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه ، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه ، فكأنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضًا ، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية ، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه ، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه .
أما قوله: { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَدًا } فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد ، واعلم أن الزكي من بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع ، فإذا بلغ المؤمن من الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكيًا ، ولا يقال زكى إلا إذا وجد زكيًا ، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقًا ، بل يقال هداه الله فلم يهتد ، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله: { ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَاء } فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد ، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل ، قالت المعتزلة ههنا تأويلان: أحدهما: حمل التزكية على فعل الألطاف والثاني: حملها على الحكم بكون العبد زكيًا ، قال أصحابنا: الوجهان على خلاف الظاهر ، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضًا أما الوجه الأول: فيدل على فساده وجوه: أحدها: أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه ألبتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفًا ، وإن رجحه فنقول المرجح لا بد وأن يكون منتهيًا إلى حد الوجوب ، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب ، فإن امتنع كان مانعًا لا داعيًا ، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون ، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ، فليفرض تارة واقعًا وأخرى غير واقع ، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع ، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف ، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد ، فلا يكون الحاصل أولًا مرجحًا ، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحًا للممكن من غير مرجح وهو محال ، وأما إن اللطف مرجحًا موجبًا كان فاعل اللطف فاعلًا للملطوف فيه ، فكان تعالى فاعلًا لفعل العبد الثاني: أنه تعالى قال: { ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَاء } علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب ، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث: أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق الألطاف واجب فلا يكون معلقًا بالفضل والرحمة وأما الوجه الثاني: وهو الحكم بكونه زكيًا فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذبًا والكذب على الله تعالى محال ، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟ فثبت أن قوله: { ولكن الله يُزَكّي مَن يَشَاء } نص في الباب .