اعلم أنه تعالى لما بلغ الغاية في الأعذار والإنذار ، والترغيب والترهيب ، أتبع ذلك بأن قال للرسول: { وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } ولم تؤثر فيهم هذه البيانات البالغة { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ } وهذا عين ما حكاه الله تعالى عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه ، والمعنى: افعلوا كل ما تقدرون عليه في حقي من الشر ، فنحن أيضًا عاملون . وقوله: { اعملوا } وإن كانت صيغته صيغة الأمر ، إلا أن المراد منها التهديد ، كقوله تعالى لإبليس: { واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } [ الإسراء: 64 ] وكقوله: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } [ الكهف: 29 ] وانتظروا ما يعدكم الشيطان من الخذلان فإنا منتظرون ما وعدنا الرحمن من أنواع الغفران والإحسان . قال ابن عباس Bهما: { وانتظروا } الهلاك فإنا منتظرون لكم العذاب . ثم إنه تعالى ذكر خاتمة شريفة عالية جامعة لكل المطالب الشريفة المقدسة فقال: { وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض } .
واعلم أن مجموع ما يحتاج الإنسان إلى معرفته أمور ثلاثة . وهي: الماضي والحاضر والمستقبل . أما الماضي فهو أن يعرف الموجود الذي كان موجودًا قبله ، وذلك الموجود المتقدم عليه هو الذي نقله من العدم إلى الوجود ، وذلك هو الإله تعالى وتقدس .
واعلم أن حقيقة ذات الإله وكنه هويته غير معلومة للبشر ألبتة ، وإنما المعلوم للبشر صفاته ، ثم إن صفاته قسمان: صفات الجلال ، وصفات الإكرام . أما صفات الجلال ، فهي سلوب ، كقولنا: إنه ليس بجوهر ولا جسم ، ولا كذا ولا كذا . وهذه السلوب في الحقيقة ليست صفات الكمال ، لأن السلوب عدم ، والعدم المحض والنفي الصرف ، لا كمال فيه ، فقولنا لا تأخذه سنة ولا نوم إنما أفاد الكلام لدلالته على العلم المحيط الدائم المبرأ عن التغير ولولا ذلك كان عدم النوم ليس يدل على كمال أصلًا ، ألا ترى أن الميت والجماد لا تأخذه سنة ولا نوم وقوله: { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } [ الأنعام: 14 ] إنما أفاد ، الجلال والكمال والكبرياء ، لأن قوله: { وَلاَ يُطْعَمُ } يفيد كونه واجب الوجود لذاته غنيًا عن الطعام والشراب بل عن كل ما سواه ، فثبت أن صفات الكمال والعز والعلو هي الصفات الثبوتية ، وأشرف الصفات الثبوتية الدالة على الكمال والجلال صفتان: العلم والقدرة ، فلهذا السبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما في معرض التعظيم والثناء والمدح . أما صفة العلم فقوله: { وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض } والمراد أن علمه نافذ في جميع الكليات والجزئيات والمعدومات والموجودات والحاضرات والغائبات ، وتمام البيان والشرح في دلالة هذا اللفظ على نهاية الكمال ما ذكرناه في تفسير قوله سبحانه وتعالى: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }