فهرس الكتاب

الصفحة 3469 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قال: { قَاتَلُواْ أَئِمَّةَ الكفر } [ التوبة: 12 ] أتبعه بذكر السبب الذي يبعثهم على مقاتلتهم فقال: { أَلاَ تقاتلون قَوْمًا نَّكَثُواْ } .

واعلم أنه تعالى ذكر ثلاثة أسباب كل واحد منها يوجب مقاتلتهم لو انفرد ، فكيف بها حال الاجتماع: أحدها: نكثهم العهد ، وكل المفسرين حمله على نقض العهد . قال ابن عباس والسدي والكلبي: نزلت في كفار مكة نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة وهذه الآية تدل على أن قتال الناكثين أولى من قتال غيرهم من الكفار ليكون ذلك زجرًا لغيرهم ، وثانيها: قوله: { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول } فإن هذا من أوكد ما يجب القتال لأجله . واختلفوا فيه فقال بعضهم: المراد إخراجه من مكة حين هاجر . وقال بعضهم: بل المراد من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل . وقال آخرون: بل هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد ، وإعانة أعدائه ، فأضيف الإخراج إليهم توسعًا لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه . وقوله: { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول } إما بالفعل وإما بالعزم عليه ، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه ، وثالثها: قوله: { وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } يعني بالقتال يوم بدر ، لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه .

والقول الثاني: أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدؤا بنقض العهد ، وهذا قول الأكثرين ، وإنما قال: { بدؤكم } تنبيهًا على أن البادىء أظلم ، ولما شرح تعالى هذه الموجبات الثلاثة زاد فيها ، فقال: { أَتَخْشَوْنَهُمْ فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ } وهذا الكلام يقوي داعية القتال من وجوه: الأول: أن تعديد الموجبات القوية وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية ، والثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى خصمك كان ذلك تحريكًا منه لأن يستنكف أن ينسب إلى كونه خائفًا من خصمه ، والثالث: أن قوله: { فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } يفيد ذلك كأنه قيل: إن كنت تخشى أحدًا فالله أحق أن تخشاه لكونه في غاية القدرة والكبرياء والجلالة ، والضرر المتوقع منهم غايته القتل . أما المتوقع من الله فالعقاب الشديد في القيامة ، والذم اللازم في الدنيا ، والرابع: أن قوله: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } معناه: أنكم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة ، ومعناه أنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا مؤمنين فثبت أن هذا كلام مشتمل على سبعة أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة أولئك الكفار الناقضين للعهد .

بقي في الآية أبحاث:

البحث الأول: حكى الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا: إذا قلت لا تفعل كذا ، فإنما يستعمل ذلك في فعل مقدر وجوده ، وإذا قلت ألست تفعل فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده ، والفرق بينهما أن لا ينفي بها المستقبل ، فإذا دخلت عليها الألف صار تحضيضًا على فعل ما يستقبل ، وليس إنما تستعمل لنفي الحال . فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت