اعلم أن هذا متعلق بما تقدم من قوله: { أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ } [ آل عمران: 165 ] فذكر في هذه الآية الأولى أنها أصابتهم بذنبهم ومن عند أنفسهم ، وذكر في هذه الآية أنها أصابتهم لوجه آخر ، وهو أن يتميز المؤمن عن المنافق ، وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { يَوْمَ التقى الجمعان } المراد يوم أحد ، والجمعان: أحدهما جمع المسلمين أصحاب محمد A ، والثاني: جمع المشركين الذين كانوا مع أبي سفيان .
المسألة الثانية: في قوله: { فَبِإِذْنِ الله } وجوه: الأول: أن إذن الله عبارة عن التخلية وترك المدافعة ، استعار الاذن لتخلية الكفار فانه لم يمنعهم منهم ليبتليهم ، لأن الاذن في الشيء لا يدفع المأذون عن مراده ، فلما كان ترك المدافعة من لوازم الاذن أطلق لفظ الاذن على ترك المدافعة على سبيل المجاز .
الوجه الثاني: فباذن الله: أي بعلمه كقوله: { وَأَذَانٌ مّنَ الله } [ التوبة: 3 ] أي إعلام ، وكقوله: { آذناكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } [ فصلت: 47 ] وقوله: { فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله } [ البقرة: 279 ] وكل ذلك بمعنى العلم . طعن الواحدي فيه فقال: الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ولا تقع التسلية إلا إذا كان واقعا بعلمه ، لأن علمه عام في جميع المعلومات بدليل قوله تعالى: { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } [ فاطر: 11 ] .
الوجه الثالث: أن المراد من الاذن الأمر ، بدليل قوله: { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } [ آل عمران: 152 ] والمعنى أنه تعالى لما أمر بالمحاربة ، ثم صارت تلك المحاربة مؤدية إلى ذلك الانهزام ، صح على سبيل المجاز أن يقال حصل ذلك بأمره .
الوجه الرابع: وهو المنقول عن ابن عباس: أن المراد من الاذن قضاء الله بذلك وحكمه به وهذا أولى لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم ، والتسلية إنما تحصل إذا قيل إن ذلك وقع بقضاء الله وقدره ، فحينئذ يرضون بما قضى الله .
ثم قال: { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين * وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } والمعنى ليميز المؤمنين عن المنافقين وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال الواحدي: يقال: نافق الرجل فهو منافق إذا أظهر كلمة الايمان وأضمر خلافها ، والنفاق اسم إسلامي اختلف في اشتقاقه على وجوه: الأول: قال أبو عبيدة: هو من نافقاء اليربوع ، وذلك لأن جحر اليربوع له بابان: القاصعاء والنافقاء ، فاذا طلب من أيهما كان خرج من الآخر فقيل للمنافق أنه منافق ، لأنه وضع لنفسه طريقين ، إظهار الاسلام وإضمار الكفر ، فمن أيهما طلبته خرج من الآخر: الثاني: قال ابن الأَنباري: المنافق من النفق وهو السرب ، ومعناه أنه يتستر بالاسلام كما يتستر الرجل في السرب . الثالث: أنه مأخوذ من النافقاء ، لكن على غير هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة ، وهو أن النافقاء جحر يحفره اليربوع في داخل الأرض ، ثم انه يرقق بما فوق الجحر ، حتى إذا رابه ريب دفع التراب برأسه وخرج ، فقيل للمنافق منافق لأنه يضمر الكفر في باطنه ، فاذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر وتمسك بالاسلام .