فهرس الكتاب

الصفحة 4335 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بالزهد في الدنيا ، وخفض الجناح للمؤمنين ، أمره بأن يقول للقوم: { إِنّى أَنَا النذير المبين } فيدخل تحت كونه نذيرًا ، كونه مبلغًا لجميع التكاليف ، لأن كل ما كان واجبًا ترتب على تركه عقاب وكل ما كان حرامًا ترتب على فعله عقاب فكان الأخبار بحصول هذا العقاب داخلًا تحت لفظ النذير ، ويدخل تحته أيضًا كونه شارحًا لمراتب الثواب والعقاب والجنة والنار ، ثم أردفه بكونه مبينًا ، ومعناه كونه آتيًا في كل ذلك بالبيانات الشافية والبينات الوافية ، ثم قال بعده: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } وفيه بحثان:

البحث الأول: اختلفوا في أن المقتسمين من هم؟ وفيه أقوال:

القول الأول: قال ابن عباس: هم الذين اقتسموا طرق مكة يصدون الناس عن الإيمان برسول الله A ، ويقرب عددهم من أربعين . وقال مقاتل بن سليمان: كانوا ستة عشر رجلًا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ، فاقتسموا عقبات مكة وطرقها يقولون لمن يسلكها لا تغتروا بالخارج منا ، والمدعي للنبوة فإنه مجنون ، وكانوا ينفرون الناس عنه بأنه ساحر أو كاهن أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزيًا فماتوا شر ميتة ، والمعنى: أنذرتكم مثل ما نزل بالمقتسمين .

والقول الثاني: وهو قول ابن عباس Bهما في بعض الروايات أن المقتسمين هم اليهود والنصارى ، واختلفوا في أن الله تعالى لم سماهم مقتسمين؟ فقيل لأنهم جعلوا القرآن عضين آمنوا بما وافق التوراة وكفروا بالباقي . وقال عكرمة: لأنهم اقتسموا القرآن استهزاء به ، فقال بعضهم: سورة كذا لي . وقال بعضهم: سورة كذا لي . وقال مقاتل بن حبان: اقتسموا القرآن فقال بعضهم سحر . وقال بعضهم شعر ، وقال بعضهم كذب ، وقال بعضهم: أساطير الأولين .

والقول الثالث: في تفسير المقتسمين . قال ابن زيد: هم قوم صالح تقاسموا لنبيتنه وأهله ، فرمتهم الملائكة بالحجارة حتى قتلوهم ، فعلى هذا والاقتسام من القسم لا من القسمة ، وهو اختيار ابن قتيبة .

البحث الثالث: أن قوله: { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } يقتضي تشبيه شيء بذلك فما ذلك الشيء؟

والجواب عنه من وجهين:

الوجه الأول: التقدير: ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين ، حيث قالوا بعنادهم وجهلهم بعضه حق موافق للتوارة والإنجيل ، وبعضه باطل مخالف لهما فاقتسموه إلى حق وباطل .

فإن قيل: فعلى هذا القول كيف توسط بين المشبه والمشبه به قوله: { وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } [ الحجر: 88 ] إلى آخره؟

قلنا: لما كان ذلك تسلية لرسول الله A عن تكذيبهم وعداوتهم ، اعترض بما هو مدار لمعنى التسلية من النهي عن الالتفات إلى دنياهم والتأسف على كفرهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت