واعلم أن المقصود من هذه الآية تعليم حكم آخر من أحكام الغزو والجهاد في حق النبي A وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبو عمر { وَتَكُونُ } بالتاء والباقون بالياء ، أما قراءة أبي عمرو بالتاء فعلى لفظ الأسرى ، لأن الأسرى وإن كان المراد به التذكير للرجال فهو مؤنث اللفظ ، وأما القراءة بالياء فلأن الفعل متقدم ، والأسرى مذكرون في المعنى ، وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وكل واحد من هذه الثلاثة إذا انفرد أوجب تذكير الفعل كقولك جاء الرجال وحضر قبيلتك وحضر القاضي امرأة . فإذا اجتمعت هذه الأشياء كان التذكير أولى . وقال صاحب «الكشاف» : قرىء للنبي A على التعريف و { أسارى } و { يُثْخِنَ } بالتشديد .
المسألة الثانية: روي أن النبي A أتى بسبعين أسيرًا فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستشار أبا بكر فيهم فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم ، وخذ منهم فدية تقوى بها أصحابك ، فقام عمر وقال: كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم . فإن هؤلاء أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء . فمكن عليًا من عقيل وحمزة من العباس ومكني من فلان ينسب له فنضرب أعناقهم . فقال E:"إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ إبراهيم: 36 ] ومثل عيسى في قوله: { إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } [ المائدة: 118 ] ومثلك يا عمر مثل نوح { وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ تَذَرْ عَلَى الارض مِنَ الكافرين دَيَّارًا } [ نوح: 26 ] ومثل موسى حيث قال: { رَبَّنَا اطمس على أموالهم واشدد على قُلُوبِهِمْ } [ يونس: 88 ] "ومال رسول الله A إلى قول أبي بكر . روي أنه قال لعمر يا أبا حفص وذلك أول ما كناه ، تأمرني أن أقتل العباس ، فجعل عمر يقول: ويل لعمر ثكلته أمه ، وروي أن عبد الله بن رواحة أشار بأن تضرم عليهم نار كثيرة الحطب فقال له العباس قطعت رحمك . وروي أنه A قال:"لا تخرجوا أحدًا منهم إلا بفداء أو بضرب العنق فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء ، فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله A واشتد خوفي . ثم قال من بعد: «إلا سهيل بن بيضاء» وعن عبيدة السلماني قال: قال رسول الله A للقوم: إن شئتم قتلتموهم ، وإن شئتم فاديتموهم واستشهد منكم بعدتهم"