فقالوا: بل نأخذ الفداء فاستشهدوا بأحد . وكان فداء الأسارى عشرين أوقية وفداء العباس أربعين أوقية ، وعن محمد بن سيرين كان فداؤهم مائة أوقية والأوقية أربعون درهمًا أو ستة دنانير . وروي أنهم أخذوا الفداء نزلت هذه الآية فدخل عمر على رسول الله A ، فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: يا رسول الله أخبرني فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت ، فقال أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء ، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه ولو نزل عذاب من السماء لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ . هذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية .
المسألة الثالثة: تمسك الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه:
الوجه الأول: أن قوله تعالى: { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } صريح في أن هذا المعنى منهي عنه ، وممنوع من قبل الله تعالى . ثم إن هذا المعنى قد حصل ، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى بعد هذه الآية: { رَّحِيمٌ ياأيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الاسرى } [ الأنفال: 70 ] الثاني: أن الرواية التي ذكرناها قد دلت على أنه E ما قتل أولئك الكفار ، بل أسرهم ، فكان الذنب لازمًا من هذا الوجه .
الوجه الثاني: أنه تعالى أمر النبي E وجميع قومه يوم بدر بقتل الكفار وهو قوله: { فاضربوا فَوْقَ الاعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } [ الأنفال: 12 ] وظاهر الأمر للوجوب ، فلما لم يقتلوا بل أسروا كان الأسر معصية .
الوجه الثالث: أن النبي A حكم بأخذ الفداء ، وكان أخذ الفداء معصية ، ويدل عليه وجهان: الأول: قوله تعالى: { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا والله يُرِيدُ الاخرة } وأجمع المفسرون على أن المراد من عرض الدنيا ههنا هو أخذ الفداء . والثاني: قوله تعالى: { لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وأجمعوا على أن المراد بقوله: { أَخَذْتُمْ } ذلك الفداء .
الوجه الرابع: أن النبي A وأبا بكر بكيا ، وصرح الرسول A أنه إنما بكى لأجل أنه حكم بأخذ الفداء ، وذلك يدل على أنه ذنب .
الوجه الخامس: أن النبي A قال: « إن العذاب قرب نزوله ولو نزل لما نجا منه إلا عمر » وذلك يدل على الذنب ، فهذه جملة وجوه تمسك القوم بهذه الآية .
والجواب عن الوجه الذي ذكروه أولًا: أن قوله: { مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الارض } يدل على أنه كان الأسر مشروعًا ، ولكن بشرط سبق الأثخان في الأرض ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد ، ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقًا عظيمًا ، وليس من شرط الأثخان في الأرض قتل جميع الناس . ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة ، والآية تدل على أن بعد الإثخان يجوز الأسر فصارت هذه الآية دالة دلالة بينة على أن ذلك الأسر كان جائزًا بحكم هذه الآية ، فكيف يمكن التمسك بهذه الآية في أن ذلك الأسر كان ذنبًا ومعصية؟ ويتأكد هذا الكلام بقوله تعالى: