اعلم أن في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع والكسائي { أَرْجِهْ } بغير همز وكسر الهاء والإشباع ، وقرأ عاصم وحمزة { أَرْجِهْ } بغير الهمز وسكون الهاء . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمر { وأرجئه } بالهمز وضم الهاء ، ثم أن ابن كثير أشبع الهاء على أصله والباقون لا يشبعون . قال الواحدي: C { قَالُواْ أَرْجِهْ } مهموز وغير مهموز لغتان يقال أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته ، ومنه قوله تعالى: { وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ } [ التوبة: 106 ] { ترجي مَن تَشَاء } [ الأحزاب: 51 ] قرىء في الآيتين باللغتين ، وأما قراءة عاصم وحمزة بغير الهمز ، وسكون الهاء فقال الفراء: هي لغة العرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرك ما قبلها وأنشد .
فيصلح اليوم ويفسده غدًا ... قال وكذلك يفعلون بهاء التأنيث فيقولون: هذه طلحة قد أقبلت ، وأنشد .
لما رأى أن لا دعه ولا شبع ... ثم قال الواحدي: ولا وجه لهذا عند البصريين في القياس . وقال الزجاج: هذا شعر لا نعرف قائله ، ولو قاله شاعر مذكور لقيل له أخطأت .
المسألة الثانية: في تفسير قوله: { أَرْجِهْ } قولان: الأول: الإرجاء التأخير فقوله: { أَرْجِهْ } أي أخره . ومعنى أخره: أي أخر أمره ولا تعجل في أمره بحكم ، فتصير عجلتك حجة عليك ، والمقصود أنهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم ، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى عليه السلام .
والقول الثاني: وهو قول الكلبي وقتادة { أَرْجِهْ } احبسه . قال المحققون هذا القول ضعيف لوجهين: الأول: أن الإرجاء في اللغة هو التأخير لا الحبس ، والثاني: أن فرعون ما كان قادرًا على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا .
أما قوله: { وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن السحرة كانوا كثيرين في ذلك الزمان وإلا لم يصح قوله: { وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } ويدل على أن في طباع الخلق معرفة المعارفة ، وإنها إذا أمكنت فلا نبوة ، وإذا تعذرت فقد صحت النبوة ، وأما بيان أن السحر ما هو وهل له حقيقة أم لا بل هو محض التمويه ، فقد سبق الاستقصاء فيه ، في سورة البقرة .
المسألة الثانية: نقل الواحدي عن أبي القاسم الزجاجي: أنه قال اختلف أصحابنا في المدينة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها فعيلة لأنها مأخوذة من قولهم مدن بالمكان يمدن مدونا إذا أقام به ، وهذا القائل يستدل بإطباق القراء على همز المدائن ، وهي فعائل كصحائف وصحيفة وسفائن وسفينة والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة ، وإذا كانت من نفس الكلمة لم تهمز في الجمع نحو معايش ومعيشة .
والقول الثاني: أنها مفعلة ، وعلى هذا الوجه ، فمعنى المدينة المملوكة من دانه يدينه ، فقولنا مدينة من دان ، مثل معيشة من عاش ، وجمعها مداين على مفاعل . كمعايش ، غير مهموز ، ويكون اسمًا لمكان والأرض التي دانهم السلطان فيها أي ساسهم وقهرهم .