في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه لما أطال الكلام في أمر الرسول بإيراد الدلائل على فساد مذاهب الكفار ، وفي أمره بإيراد الجواب عن شبهاتهم ، وفي أمره بتحمل أذاهم ، وبالرفق معهم ذكر هذا الكلام ليحصل به تمام السلوة والسرور للمطيعين ، وتمام الخوف والفزع للمذنبين ، وهو كونه سبحانه عالمًا بعمل كل واحد ، وبما في قلبه من الدواعي والصوارف ، فإن الإنسان ربما أظهر من نفسه نسكًا وطاعة وزهدًا وتقوى ، ويكون باطنه مملوأ من الخبث وربما كان بالعكس من ذلك فإذا كان الحق سبحانه عالمًا بما في البواطن كان ذلك من أعظم أنواع السرور للمطيعين ومن أعظم أنواع التهديد للمذنبين .
المسألة الثانية: اعلم أنه تعالى خصص الرسول في أول هذه الآية بالخطاب في أمرين ، ثم أتبع ذلك بتعميم الخطاب مع كل المكلفين في شيء واحد ، أما الأمران المخصوصان بالرسول E . فالأول: منهما قوله: { وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } واعلم أن { مَا } ههنا جحد والشأن الخطب والجمع الشؤن ، تقول العرب ما شأن فلان أي ما حاله ، قال الأخفش: وتقول ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله ، وفيه وجهان: قال ابن عباس: وما تكون يا محمد في شأن يريد من أعمال البر وقال الحسن: في شأن من شأن الدنيا وحوائجك فيها . والثاني: منهما قوله تعالى: { وَمَا نتلوا منه من قرآن } واختلفوا في أن الضمير في قوله: { مِنْهُ } إلى ماذا يعود؟ وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه راجع إلى الشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شأن رسول الله A ، بل هو معظم شأنه ، وعلى هذا التقدير ، فكان هذا داخلًا تحت قوله: { وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } إلا أنه خصه بالذكر تنبيهًا على علو مرتبته ، كما في قوله تعالى: { وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال } [ البقرة: 98 ] وكما في قوله: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم } [ الأحزاب: 7 ] والثاني: أن هذا الضمير عائد إلى القرآن والتقدير: وما تتلو من القرآن من قرآن ، وذلك لأن كما أن القرآن اسم للمجموع ، فكذلك هو اسم لكل جزء من أجزاء القرآن والإضمار قبل الذكر ، يدل على التعظيم . الثالث: أن يكون التقدير: وما تتلو من قرآن من الله أي نازل من عند الله . وأقول: قوله: { وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ } أمران مخصوصان بالرسول A .
وأما قوله: { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } فهذا خطاب مع النبي ومع جميع الأمة . والسبب في أن خص الرسول بالخطاب أولًا ، ثم عمم الخطاب مع الكل ، هو أن قوله: { وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءانٍ } وإن كان بحسب الظاهر خطابًا مختصًا بالرسول ، إلا أن الأمة داخلون فيه ومرادون منه ، لأنه من المعلوم أنه إذا خوطب رئيس القوم كان القوم داخلين في ذلك الخطاب . والدليل عليه قوله تعالى: