النوع السادس
وهذا من باب الزواجر ، والمعنى يعظكم الله بهذه المواعظ التي بها تعرفون عظم هذا الذنب وأن فيه الحد والنكال في الدنيا والعذاب في الآخرة ، لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبدًا وأبدهم ما داموا أحياء مكلفين ، وقد دخل تحت ذلك من قال ومن سمع فلم ينكر ، لأن حالهما سواء في أن فعلا ما لا يجوز وإن كان من أقدم عليه أعظم ذنبًا ، فبين أن الغرض بما عرفهم من هذه الطريقة أن لا يعودوا إلى مثل ما تقدم منهم وههنا مسائل:
المسألة الأولى: استدلت المعتزلة بقوله: { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } على أن ترك القذف من الإيمان وعلى أن فعل القذف لا يبقى معه الإيمان ، لأن المعلق على الشرط عدم عند عدم الشرط والجواب: هذا معارض بقوله: { إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } [ النور: 11 ] أي منكم أيها المؤمنون فدل ذلك على أن القذف لا يوجب الخروج عن الإيمان وإذا ثبت التعارض حملنا هذه الآية على التهييج في الإتعاظ والانزجار .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة دلت هذه الآية على أنه تعالى أراد من جميع من وعظه مجانبه مثل ذلك في المستقبل وإن كان فيهم من لا يطيع ، فمن هذا الوجه تدل على أنه تعالى يريد من كلهم الطاعة وإن عصوا ، لأن قوله: { يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ } معناه لكي لا تعودوا لمثله وذلك دلالة الإرادة والجواب: عنه قد تقدم مرارًا .
المسألة الثالثة: هل يجوز أن يسمى الله تعالى واعظًا لقوله: { يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ } ؟ الأظهر أنه لا يجوز كما لا يجوز أن يسمى معلمًا لقوله: { الرحمن * عَلَّمَ القرءان } [ الرحمن: 1 ، 2 ] .
أما قوله تعالى: { وَيُبَيّنُ الله لَكُمُ الآيات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } فالمراد من الآيات ما به يعرف المرء ما ينبغي أن يتمسك به ، ثم بين أنه لكونه عليمًا حكيمًا يؤثر بما يجب أن يبينه ويجب أن يطاع لأجل ذلك ، لأن من لا يكون عالمًا لا يجب قبول تكليفه ، لأنه قد يأمر بما لا ينبغي ، ولأن المكلف إذا أطاعه فقد لا يعلم أنه أطاعه ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما من كان عالمًا لكنه لا يكون حكيمًا فقد يأمره بما لا ينبغي فإذا أطاعه المكلف فقد يعذب المطيع وقد يثيب العاصي ، وحينئذ لا يبقى للطاعة فائدة ، وأما إذا كان عليمًا حكيمًا فإنه لا يأمر إلا بما ينبغي ولا يهمل جزاء المستحقين ، فلهذا ذكر هاتين الصفتين وخصهما بالذكر ، وههنا سؤالات:
الأول: الحكيم هو الذي لا يأتي بما لا ينبغي ، وإنما يكون كذلك لو كان عالمًا بقبح القبيح وعالمًا بكونه غنيًا عنه فيكون العليم داخلًا في الحكيم ، فكان ذكر الحكيم مغنيًا عنه . هذا على قول المعتزلة ، وأما على قول أهل السنة والجماعة فالحكمة هي العلم فقط ، فذكر العليم الحكيم يكون تكرارًا محضًا الجواب: يحمل ذلك على التأكيد .