فهرس الكتاب

الصفحة 7763 من 8321

اعلم أن هذا هو النوع الثالث: من تخويف الكفار ووجه التخويف فيه من وجهين: الأول: أنه تعالى ذكرهم عظيم إنعامه عليهم ، وكلما كانت نعمة الله عليهم أكثر كانت جنايتهم في حقه أقبح وأفحش ، وكلما كان كذلك كان العقاب أعظم ، فلهذا قال عقيب ذكر هذا الإنعام: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } . الوجه الثاني: أنه تعالى ذكرهم كونه قادرًا على الابتداء ، وظاهر في العقل أن القادر على الابتداء قادر على الإعادة ، فلما أنكروا هذه الدلالة الظاهرة ، لا جرم قال في حقهم: { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } وأما التفسير فهو أن قوله: { أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ } أي من النطفة ، كقوله: { ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاء مَّهِينٍ } [ السجدة: 8 ] { فجعلناه فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } وهو الرحم ، لأن ما يخلق منه الولد لا بد وأن يثبت في الرحم ويتمكن بخلاف مالا يخلق منه الولد ، ثم قال: { إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } والمراد كونه في الرحم إلى وقت الولادة ، وذلك الوقت معلوم لله تعالى لا لغيره كقوله: { إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } إلى قوله: { وَيَعْلَمُ مَا فِى الأرحام } [ لقمان: 34 ] { فَقَدَرْنَا } قرأ نافع وعبدالله بن عامر بالتشديد ، وقرأ الباقون بالتخفيف ، أما التشديد فالمعنى إنا قدرنا ذلك تقديرًا فنعم المقدرون له نحن ، ويتأكد هذا الوجه بقوله تعالى: { مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } ولأن إيقاع الخلق على هذا التقدير والتحديد نعمة من المقدر على المخلوق فحسن ذكره في موضع ذكر المنة والنعمة ، ومن طعن في هذه القراءة قال: لو صحت هذه القراءة لوجب أن يقال: فقدرنا فنعم المقدرون وأجيب عنه بأن العرب قد تجمع بين اللغتين ، قال تعالى: { فَمَهّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا } [ الطارق: 17 ] وأما القراءة بالتخفيف ففيها وجهان: الأول: أنه من القدرة أي فقدرنا على خلقه وتصويره كيف شئنا وأردنا { فَنِعْمَ القادرون } حيث خلقناه في أحسن الصور والهيئات والثاني: أنه يقال: قدرت الشيء بالتخفيف على معنى قدرته ، قال: الفراء العرب تقول: قدر عليه الموت ، وقدر عليه الموت ، وقدر عليه رزقه وقدر بالتخفيف والتشديد ، قال تعالى: { فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } [ الفجر: 16 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت