فهرس الكتاب

الصفحة 4199 من 8321

سورة إبراهيم

عليه السلام خمسون وآيتان مكية

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أن الكلام في أن هذه السورة مكية أو مدنية طريقه الآحاد . ومتى لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام الشرعية فنزولها بمكة والمدينة سواء ، وإنما يختلف الغرض في ذلك إذا حصل فيه ناسخ ومنسوخ فيكون فيه فائدة عظيمة وقوله: { الر كِتَابٌ } معناه أن السورة المسماة بالر كتاب أنزلناه إليك لغرض كذا وكذا فقوله: { الر } مبتدأ وقوله: { كِتَابٌ } خبره وقوله: { أنزلناه إِلَيْكَ } صفة لذلك الخبر وفيه مسائل:

المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن القرآن موصوف بكونه منزلًا من عند الله تعالى . قالت المعتزلة: النازل والمنزل لا يكون قديمًا .

وجوابنا: أن الموصوف بالنازل والمنزل هو هذه الحروف وهي محدثة بلا نزاع .

المسألة الثانية: قالت المعتزلة: اللام في قوله: { لِتُخْرِجَ الناس } لام الغرض والحكمة ، وهذا يدل على أنه تعالى إنما أنزل هذا الكتاب لهذا الغرض ، وذلك يدل على أن أفعال الله تعالى وأحكامه معللة برعاية المصالح .

أجاب أصحابنا عنه بأن من فعل فعلًا لأجل شيء آخر فهذا إنما يفعله لو كان عاجزًا عن تحصيل هذا المقصود إلا بهذه الواسطة وذلك في حق الله تعالى محال ، وإذا ثبت بالدليل أنه يمتنع تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه بالعلل ثبت أن كل ظاهر أشعر به فإنه مؤول محمول على معنى آخر .

المسألة الثالثة: إنما شبه الكفر بالظلمات لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية وشبه الإيمان بالنور لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته .

المسألة الرابعة: قال القاضي: هذه الآية فيها دلالة على إبطال القول بالجبر من جهات: أحدها: أنه تعالى لو كان يخلق الكفر في الكافر فكيف يصح إخراجه منه بالكتاب . وثانيها: أنه تعالى أضاف الإخراج من الظلمات إلى النور إلى الرسول A فإن كان خالق ذلك الكفر هو الله تعالى فكيف يصح من الرسول E إخراجهم منه وكان للكافر أن يقول: إنك تقول: إن الله خلق الكفر فينا فكيف يصح منك أن تخرجنا منه فإن قال لهم: أنا أخرجكم من الظلمات التي هي كفر مستقبل لا واقع ، فلهم أن يقولوا: إن كان تعالى سيخلقه فينا لم يصح ذلك الإخراج وإن لم يخلقه فنحن خارجون منه بلا إخراج . وثالثها: أنه A إنما يخرجهم من الكفر بالكتاب بأن يتلوه عليهم ليتدبروه وينظروا فيه فيعلموا بالنظر والاستدلال كونه تعالى عالمًا قادرًا حكيمًا ويعلموا بكون القرآن معجزة صدق الرسول A وحينئذ يقبلوا منه كل ما أداه إليهم من الشرائع ، وذلك لا يصح إلا إذا كان الفعل لهم ويقع باختيارهم ، ويصح منهم أن يقدموا عليه ويتصرفوا فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت