فهرس الكتاب

الصفحة 1877 من 8321

الكناية في قوله { وَمَا جَعَلَهُ الله } عائدة على المصدر ، كأنه قال: وما جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل { يُمْدِدْكُمْ } على الإمداد فكنى عنه ، كما قال: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } [ الأنعام: 121 ] معناه: وإن أكله لفسق فدل { تَأْكُلُواْ } على الأكل فكنى عنه وقال الزجاج { وَمَا جَعَلَهُ الله } أي ذكر المدد { إِلاَّ بشرى } والبشرى اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله { وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ } [ البقرة: 25 ] .

ثم قال: { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } وفيه سؤال:

وهو أن قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ } فعل وقوله { إِلاَّ بشرى } اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر ، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئنانًا ، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم .

والجواب عنه من وجهين الأول: في ذكر الإمداد مطلوبان ، وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر ، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم ، وهو المراد بقوله { إِلاَّ بشرى } والثاني: حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة ، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهًا على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة ، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة ، فقال: { وَلِتَطْمَئِنَّ } ونظيره قوله { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } [ النحل: 8 ] ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها ، فكذا ههنا الثاني؛ قال بعضهم في الجواب: الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم .

ثم قال: { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله { العزيز الحكيم } فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته ، والحكيم إشارة إلى كمال علمه ، فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات ، وكل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه .

ثم قال: { لِيَقْطَعَ طَرَفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ } واللام في { لِيَقْطَعَ طَرَفًا } متعلق بقوله { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله العزيز الحكيم } والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفًا من الذين كفروا ، أي يهلكوا طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم ، قيل: إنه راجع إلى قوله { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } ، { لِيَقْطَعَ طَرَفًا } ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريبًا من البعض جاز حذف العاطف ، وهو كما يقول السيد لعبده: أكرمتك لتخدمني لتعينني لتقوم بخدمتي حذف العاطف ، لأن البعض يقرب من البعض ، فكذا ههنا ، وقوله { طَرَفًا } أي طائفة وقطعة وإنما حسن في هذا الموضع ذكر الطرف ولم يحسن ذكر الوسط لأنه لا وصول إلى الوسط إلا بعد الأخذ من الطرف ، وهذا يوافق قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت