فهرس الكتاب

الصفحة 5068 من 8321

( القصة التاسعة ، قصة زكريا عليه السلام )

اعلم أنه تعالى بين انقطاع زكريا عليه السلام إلى ربه تعالى لما مسه الضر بتفرده ، وأحب من يؤنسه ويقويه على أمر دينه ودنياه ويكون قائمًا مقامه بعد موته ، فدعا الله تعالى دعاء مخلص عارف بأنه قادر على ذلك ، وإن انتهت الحال به وبزوجته من كبر وغيره إلى اليأس من ذلك بحكم العادة . وقال ابن عباس Bهما: كان سنه مائة وسن زوجته تسعًا وتسعين .

أما قوله: { وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين } ففيه وجهان: أحدهما: أنه عليه السلام إنما ذكره في جملة دعائه على وجه الثناء على ربه ليكشف عن علمه بأن مآل الأمور إلى الله تعالى . والثاني: كأنه عليه السلام قال: «إن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث» .

وأما قوله تعالى: { فاستجبنا لَهُ } أي فعلنا ما أراده لأجل سؤاله ، وفي ذلك إعظام له ، فلذلك تقول العلماء بأن الاستجابة ثواب لما فيه من الإعظام .

وأما قوله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } فهو كالتفسير للاستجابة وفي تفسير قوله: { وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } ثلاثة أقوال: أحدها: أصلحها للولادة بأن أزال عنها المانع بالعادة ، وهذا أليق بالقصة . والثاني: أنه أصلحها في أخلاقها وقد كانت على طريقة من سوء الخلق وسلاطة اللسان تؤذيه وجعل ذلك من نعمه عليه . والثالث: أنه سبحانه جعلها مصلحة في الدين ، فإن صلاحها في الدين من أكبر أعوانه في كونه داعيًا إلى الله تعالى فكأنه عليه السلام سأل ربه المعونة على الدين والدنيا بالولد والأهل جميعًا . وهذا كأنه أقرب إلى الظاهر لأنه إذا قيل: أصلح الله فلانًا فالأظهر فيه ما يتصل بالدين ، واعلم أن قوله: { وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } يدل على أن الواو لا تفيد الترتيب لأن إصلاح الزوج مقدم على هبة الولد مع أنه تعالى أخره في اللفظ وبين تعالى مصداق ما ذكرناه فقال: { إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات } وأراد بذلك زكريا وولده وأهله فبين أنه آتاهم ما طلبوه وعضد بعضهم ببعض من حيث كانت طريقتهم أنهم يسارعون في الخيرات ، والمسارعة في طاعة الله تعالى من أكبر ما يمدح المرء به لأنه يدل على حرص عظيم على الطاعة .

أما قوله تعالى: { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } قرىء رغبًا ورهبًا وهو كقوله: { يَحْذَرُ الأخرة وَيَرْجُواْ رَّحْمَةِ رَبّهِ } والمعنى أنهم ضموا إلى فعل الطاعات والمسارعة فيها أمرين: أحدهما: الفزع إلى الله تعالى لمكان الرغبة في ثوابه والرهبة في عقابه . والثاني: الخشوع وهو المخافة الثابتة في القلب ، فيكون الخاشع هو الحذر الذي لا ينبسط في الأمور خوفًا من الإثم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت