الحكم السادس
فيما يتعلق بالنكاح
اعلم أن هذه الآية نظير قوله: { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } [ الممتحنة: 10 ] وقرىء بضم التاء ، أي لا تزوجوهن وعلى هذه القراءة لا يزوجونهن .
واعلم أن المفسرين اختلفوا في أن هذه الآية ابتداء حكم وشرع ، أو هو متعلق بما تقدم ، فالأكثرون على أنه ابتداء شرع في بيان ما يحل ويحرم ، وقال أبو مسلم: بل هو متعلق بقصة اليتامى ، فإنه تعالى لما قال: { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } [ البقرة: 220 ] وأراد مخالطة النكاح عطف عليه ما يبعث على الرغبة في اليتامى ، وأن ذلك أولى مما كانوا يتعاطون من الرغبة في المشركات ، وبين أن أمة مؤمنة خير من مشركة وإن بلغت النهاية فيما يقتضي الرغبة فيها ، ليدل بذلك على ما يبعث على التزوج باليتامى ، وعلى تزويج الأيتام عند البلوغ ليكون ذلك داعية لما أمر به من النظر في صلاحهم وصلاح أموالهم ، وعلى الوجهين فحكم الآية لا يختلف ، ثم في الآية مسائل:
المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أنه E بعث مرثد بن أبي مرثد حليفًا لبني هاشم إلى مكة ليخرج أناسًا من المسلمين بها سرًا ، فعند قدومه جاءته امرأته يقال لها عناق خليلة له في الجاهلية ، أعرضت عنه عند الإسلام ، فالتمست الخلوة ، فعرفها أن الإسلام يمنع من ذلك ، ثم وعدها أن يستأذن الرسول A ثم يتزوج بها ، فلما انصرف إلى رسول الله A عرفه ما جرى في أمر عناق ، وسأله هل يحل له التزوج بها فأنزل الله تعالى هذه الآية .
المسألة الثانية: اختلف الناس في لفظ النكاح ، فقال أكثر أصحاب الشافعي C: إنه حقيقة في العقد ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها: قوله E:"لا نكاح إلا بولي وشهود"وقف النكاح على الولي والشهود ، والمتوقف على الولي والشهود هو العقد لا الوطء ، والثاني: قوله E:"ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح"دل الحديث على أن النكاح كالمقابل للسفاح ، ومعلوم أن السفاح مشتمل على الوطء ، فلو كان النكاح اسمًا للوطء لامتنع كون النكاح مقابلًا للسفاح وثالثها: قوله تعالى: { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } [ النور: 32 ] ولا شك أن لفظ ( أنكحوا ) لا يمكن حمله إلا على العقد ، ورابعها: قول الأعشى ، أنشده الواحدي في «البسيط» :
فلا تقربن من جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأيما
وقوله: { فانكحن } لا يحتمل إلا الأمر بالعقد ، لأنه قال: «لا تقربن جارة» يعني مقاربتها على الطريق الذي يحرم فاعقد وتزوج وإلا فتأيم وتجنب النساء ، وقال الجمهور من أصحاب أبي حنيفة: أنه حقيقة في الوطء ، واحتجوا عليه بوجوه أحدها: قوله تعالى: { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } نفي الحل ممتد إلى غاية النكاح ، والنكاح الذي تنتهي به هذه الحرمة ليس هو العقد بدليل قوله E: