فهرس الكتاب

الصفحة 3401 من 8321

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال هؤلاء الكفار في الطاعات البدنية ، أتبعها بشرح أحوالهم في الطاعات المالية . قال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر ، وكانوا اثني عشر رجلًا من كبار قريش . وقال سعيد بن جبير ومجاهد: نزلت في أبي سفيان وإنفاقه المال على حرب محمد يوم أحد ، وكان قد استأجر ألفين من الأحابيش سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية والأوقية اثنان وأربعون مثقالًا ، هكذا قاله صاحب «الكشاف» . ثم بين تعالى أنهم إنما ينفقون هذا المال ليصدوا عن سبيل الله ، أي كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد وهو سبيل الله ، وإن لم يكن عندهم كذلك .

ثم قال: { فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } يعني: أنه سيقع هذا الإنفاق ويكون عاقبته الحسرة ، لأنه يذهب المال ولا يحصل المقصود ، بل يصيرون مغلوبين في آخر الأمر كما قال تعالى: { كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } [ المجادلة: 21 ] وقوله: { والذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } ففيه بحثان:

البحث الأول: أنه لم يقل: وإلى جهنم يحشرون ، لأنه كان فيهم من أسلم ، بل ذكر أن الذين بقوا على الكفر يكونون كذلك .

البحث الثاني: أن ظاهر قوله: { إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } يفيد أنه لا يكون حشرهم إلا إلى جهنم ، لأن تقديم الخبر يفيد الحصر .

واعلم أن المقصود من هذا الكلام أنهم لا يستفيدون من بذلهم أموالهم في تلك الانفاقات إلا الحسرة والخيبة في الدنيا ، والعذاب الشديد في الآخرة ، وذلك يوجب الزجر العظيم عن ذلك الإنفاق ، ثم قال: { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } وفيه قولان:

القول الأول: ليميز الله الفريق الخبيث من الكفار من الفريق الطيب من المؤمنين فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعًا وهو عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا كقوله تعالى: { كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا } [ الجن: 19 ] يعني لفرط ازدحامهم فقوله: { أولئك } إشارة إلى الفريق الخبيث .

والقول الثاني: المراد بالخبيث نفقة الكافر على عداوة محمد ، وبالطيب نفقة المؤمن في جهاد الكفار ، كإنفاق أبي بكر وعثمان في نصرة الرسول E فيضم تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها كقوله تعالى: { فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } [ التوبة: 35 ] واللام في قوله: { لِيَمِيزَ الله الخبيث } على القول الأول متعلق بقوله: { يُحْشَرُونَ } والمعنى أنهم يحشرون ليميز الله الفريق الخبيث من الفريق الطيب ، وعلى القول الثاني متعلق بقوله: { ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ثم قال: { أولئك هُمُ الخاسرون } وهو إشارة إلى الذين كفروا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت