فهرس الكتاب

الصفحة 1525 من 8321

إعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد ، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك ، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه ، فكانا متضادين ، ولهذا قال الله تعالى: { يَمْحَقُ الله الرباا وَيُرْبِى الصدقات } فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة ، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا .

أما قوله { الذين يَأْكُلُونَ الرباا } فالمراد الذين يعاملون به ، وخص الأكل لأنه معظم الأمر ، كما قال: { الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا } [ النساء: 10 ] وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه ، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل } [ البقرة: 188 ] وأيضًا فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل ، إنما يصرف في المأكول فيؤكل ، والمراد التصرف فيه ، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد ، وأيضًا فقد ثبت أنه A:"لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له"فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل ، وأيضًا فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس ، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا ، وأما الربا ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال: ربا الشيء يربو ومنه قوله { اهتزت وَرَبَتْ } [ الحج: 5 ] أي زادت ، وأربى الرجل إذا عامل في الربا ، ومنه الحديث"من أجبى فقد أربى"أي عامل بالربا ، والاجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه ، هذا معنى الربا في اللغة .

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي { الربا } بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء ، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو ، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء ، قال صاحب «الكشاف» : الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع .

المسألة الثالثة: إعلم أن الربا قسمان: ربا النسيئة ، وربا الفضل .

أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهورًا متعارفًا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرًا معينًا ، ويكون رأس المال باقيًا ، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال ، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل ، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به .

وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك .

إذا عرفت هذا فنقول: المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة ، وكان يجوز بالنقد ، فقال له أبو سعيد الخدري: شهدت ما لم تشهد ، أو سمعت من رسول الله A ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين: كنا في بيت ومعنا عكرمة ، فقال رجل: يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس ، فقال: إنما كنت استحللت التصرف برأيي ، ثم بلغني أنه A حرمه ، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله ، وحجة ابن عباس أن قوله { وَأَحَلَّ الله البيع } يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقدًا ، وقوله { وَحَرَّمَ الرباا } لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة ، وليست كل زيادة محرمة ، بل قوله { وَحَرَّمَ الرباا } إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بأنه ربا . وذلك هو ربا النسيئة ، فكان قوله { وَحَرَّمَ الرباا } مخصوصًا بالنسيئة ، فثبت أن قوله { وَأَحَلَّ الله البيع } يتناول ربا النقد ، وقوله { وَحَرَّمَ الرباا } لا يتناوله ، فوجب أن يبقى على الحل ، ولا يمكن أن يقال: إنما يحرمه بالحديث ، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز ، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت