يقرر ذلك ويبين أن إسلامهم لمن يكن لله ، وفيه لطائف الأولى: في قوله تعالى: { يَمُنُّونَ عَلَيْكَ } زيادة بيان لقبيح فعلهم ، وذلك لأن الإيمان له شرفان أحدهما: بالنسبة إلى الله تعالى وهو تنزيه الله عن الشرك وتوحيده في العظمة ، وثانيهما: بالنسبة إلى المؤمن فإنه ينزه النفس عن الجهل ويزينها بالحق والصدق ، فهم لا يطلبون بإسلامهم جانب الله ولا يطلبون شرف أنفسهم بل منوا ولو علموا أن فيه شرفهم لما منوا به بل شكروا .
اللطيفة الثانية: قال: { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إسلامكم } أي الذي عندكم إسلام ، ولهذا قال تعالى: { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } ولم يقل: لم تؤمنوا ولكن أسلمتم لئلا يكون تصديقًا لهم في الإسلام أيضًا كما لم يصدقوا في الإيمان ، فإن قيل لم لم يجز أن يصدقوا في إسلامهم ، والإسلام هو الانقياد ، وقد وجد منهم قولًا وفعلًا وإن لم يوجد اعتقادًا وعلمًا وذلك القدر كاف في صدقهم؟ نقول التكذيب يقع على وجهين أحدهما: أن لا يوجد نفس المخبر عنه وثانيهما: أن لا يوجد كما أخبر في نفسه فقد يقول ما جئتنا بل جاءت بك الحاجة ، فالله تعالى كذبهم في قولهم آمنا على الوجه الأول ، أي ما آمنتم أصلًا ولم يصدقوا في الإسلام على الوجه الثاني فإنهم انقادوا للحاجة وأخذ الصدقة .
اللطيفة الثالثة: قال: { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } يعني لا منة لكم ومع ذلك لا تسلمون رأسًا برأس بحيث لا يكون لكم علينا ولا لنا عليكم منة ، بل المنة عليكم ، وقوله تعالى: { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ } حسن أدب حيث لم يقل لا تمنوا علي بل لي المنة عليكم حيث بينت لكم الطريق المستقيم ، ثم في مقابلة هذا الأدب قال الله تعالى: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } [ الشورى: 52 ] .
اللطيفة الرابعة: لم يقل يمن عليكم أن أسلمتم بل قال: { أَنْ هَداكُمْ للإيمان } لأن إسلامهم كان ضلالًا حيث كان نفاقًا فما منّ به عليهم ، فإن قيل كيف من عليهم بالهداية إلى الإيمان مع أنه بيّن أنهم لم يؤمنوا؟ نقول الجواب عنه من ثلاثة أوجه أحدها: أنه تعالى لم يقل: بل الله يمن عليكم أن رزقكم الإيمان ، بل قال: { أَنْ هَداكُمْ لإيمان } وإرسال الرسل بالآيات البينات هداية ثانيها: هو أنه تعالى يمن عليهم بما زعموا ، فكأنه قال أنتم قلتم آمنا ، فذلك نعمة في حقكم حيث تخلصتم من النار ، فقال هداكم في زعمكم ثالثها: وهو الأصح ، هو أن الله تعالى بيّن بعد ذلك شرطًا فقال: { إِن كُنتُمْ صادقين } .