وفي الآيات لطائف ، نذكرها في مسائل:
المسألة الأولى: ما الحكمة في بيان سبب كونهم في العذاب مع أنه تعالى لم يذكر سبب كون أصحاب اليمين في النعيم ، ولم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين؟ فنقول: قد ذكرنا مرارًا أن الله تعالى عند إيصال الثواب لا يذكر أعمال العباد الصالحة ، وعند إيصال العقاب يذكر أعمال المسيئين لأن الثواب فضل والعقاب عدل ، والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يتوهم في المتفضل به نقص وظلم ، وأما العدل فإن لم يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ظلمًا فقال: هم فيها بسبب ترفهم ، والذي يؤيد هذه اللطيفة أن الله تعالى قال في حق السابقين: { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الواقعة: 24 ] ولم يقل: في حق أصحاب اليمين ، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم ، وسنبين ذلك في قوله تعالى: { فسلام لَّكَ } [ الواقعة: 91 ] وإذا كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال: هذه النعم لكم ، ولم يقل جزاء لأن قوله: { جَزَاء } في مثل هذا الموضع ، وهو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم سرورًا بخلاف من كثرت حسناته ، فيقال له: نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء .
المسألة الثانية: جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفًا فإن فيهم من يكون فقيرًا؟ نقول قوله تعالى: { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } ليس بذم ، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة ، فظاهر ذلك لا يوجب ذمًا ، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده وهو قوله تعالى: { وَكَانُواْ يُصِرُّونَ } لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال: إنهم كانوا مترفين ، ولم يشكروا نعم الله بل أصروا على الذنب وعلى هذا فنقول: النعم التي تقتضي شكر الله وعبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق والرزق وما يحتاج إليه وتتوقف مصالحه عليه حاصل للكل ، غاية ما في الباب أن حال الناس في الإتراف متقارب ، فيقال في حقل البعض بالنسبة إلى بعض: إنه في ضر ، ولو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء وكيف لا والإنسان إذا نظر إلى حالة يجدها مفتقرة إلى مسكن يأوي إليه ولباس الحر والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب ، وغير هذا من الفضلات التي يحمل عليها شح النفس ، ثم إن أحدًا لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء ، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات ، لا تفقد مدخلًا أو مغارة ، وأما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد ، كلما تمزق منه موضع يرقعه من أي شيء كان ، بقي أمر المأكول والمشروب ، فإذا نظر الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء ، غير أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتًا مزخرفًا ولباسًا فاخرًا ومأكولًا طيبًا ، وغير ذلك من أنواع الدواب والثياب ، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق ، وطلب الغنى يورث فقره ، وارتياد الارتفاع يحط قدره ، وبالجملة شهوة بطنه وفرجه تكسر ظهره على أننا نقول في قوله تعالى: { كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة ، والأعين الباصرة ، وبان لهم الحقائق ، علموا أنهم كانوا قبلو ذلك مترفين بالنسبة إلى تلك الحالة .