فهرس الكتاب

الصفحة 6936 من 8321

إشارة إلى كمال غناه وقدرته ليذكر بعد ذلك ويقول: إن ربك هو أعلم من الغني القادر لأن من علم ولم يقدر لا يتحقق منه الجزاء فقال: { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الزمخشري: ما يدل على أنه يعتقد أن اللام في قوله: { لِيَجْزِىَ } كاللام في قوله تعالى: { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا } [ النحل: 8 ] وهو جرى في ذلك على مذهبه فقال: { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } معناه خلق ما فيهما لغرض الجزاء وهو لا يتحاشى مما ذكره لما عرف من مذهب الاعتزال ، وقال الواحدي: اللام للعاقبة كما في قوله تعالى: { لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا } [ القصص: 8 ] أي أخذوه وعاقبته أنه يكون لهم عدوًا ، والتحقيق فيه وهو أن حتى ولام الغرض متقاربان في المعنى ، لأن الغرض نهاية الفعل ، وحتى للغاية المطلقة فبينهما مقاربة فيستعمل أحدهما مكان الآخر ، يقال: سرت حتى أدخلها ولكي أدخلها ، فلام العاقبة هي التي تستعمل في موضع حتى للغاية ، ويمكن أن يقال: هنا وجه أقرب من الوجهين وإن كان أخفى منهما وهو أن يقال: إن قوله: { لِيَجْزِىَ } متعلق بقوله: ضل واهتدى لا بالعلم ولا بخلق ما في السموات ، تقديره كأنه قال: هو أعلم بمن ضل واهتدى: { لِيَجْزِىَ } أن من ضل واهتدى يجزي الجزاء ، والله أعلم به ، فيصير قوله: { وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } كلامًا معترضًا ، ويحتمل أن يقال: هو متعلق بقوله تعالى: { فَأَعْرَضَ } [ النجم: 29 ] أي أعرض عنهم ليقع الجزاء ، كما يقول المريد فعلًا لمن يمنعه منه زرني لأفعله ، وذلك لأن ما دام النبي A لم ييأس ما كان العذاب ينزل والإعراض وقت اليأس ، وقوله تعالى: { وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } حينئذ يكون مذكورًا ليعلم أن العذاب الذي عند إعراضه يتحقق ليس مثل الذي قال تعالى فيه: { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } [ الأنفال: 25 ] بل هو مختص بالذين ظلموا وغيرهم لهم الحسنى ، وقوله تعالى في حق المسيء { بِمَا عَمِلُواْ } وفي حق المحسن { بالحسنى } فيه لطيفة لأن جزاء المسيء عذاب فنبه على ما يدفع الظلم فقال: لا يعذب إلا عن ذنب ، وأما في الحسنى فلم يقل: بما عملوا لأن الثواب إن كان لا على حسنة يكون في غاية الفضل فلا يخل بالمعنى هذا إذا قلنا الحسنى هي المثوبة بالحسنى ، وأما إذا قلنا الأعمال الحسنى ففيه لطيفة غير ذلك ، وهي أن أعمالهم لم يذكر فيها التساوي ، وقال في أعمال المحسنين { الحسنى } إشارة إلى الكرم والصفح حيث ذكر أحسن الإسمين والحسنى صفة أقيمت مقام الموصوف كأنه تعالى قال بالأعمال الحسنى كقوله تعالى: { الأسماء الحسنى } [ الأعراف: 180 ] وحينئذ هو كقوله تعالى: { لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ العنكبوت: 7 ] أي يأخذ أحسن أعمالهم ويجعل ثواب كل ما وجد منهم لجزاء ذلك الأحسن أو هي صفة المثوبة ، كأنه قال: ويجزي الذين أحسنوا بالمثوبة الحسنى أو بالعاقبة الحسنى أي جزاؤهم حسن العاقبة وهذا جزاء فحسب ، وأما الزيادة التي هي الفضل بعد الفضل فغير داخلة فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت