فهرس الكتاب

الصفحة 2646 من 8321

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأحكام المذكورة في هذا الموضع ، ووجه اتصاله بما قبله أنه تعالى قال فيما تقدم { لاَ تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } إلى قوله { وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّبًا } [ المائدة: 87 ، 88 ] ثم لما كان من جملة الأمور المستطابة الخمر والميسر لا جرم أنه تعالى بيّن أنهما غير داخلين في المحللات ، بل في المحرمات .

واعلم أنا قد ذكرنا في سورة البقرة معنى الخمر والميسر وذكرنا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله { وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام } [ المائدة: 3 ] فمن أراد الاستقصاء فعليه بهذه المواضع .

وفي اشتقاق لفظ الخمر وجهان: الأول: سميت الخمر خمرًا لأنها خامرت العقل ، أي خالطته فسترته ، والثاني: قال ابن الأعرابي: تركت فاختمرت ، أي تغير ريحها ، والميسر هو قمارهم في الجزور ، والأنصاب هي آلهتهم التي نصبوها يعبدونها ، والأزلام سهام مكتوب عليها خير وشر .

واعلم أنه تعالى وصف هذه الأقسام الأربعة بوصفين: الأول: قوله { رِجْسٌ } والرجس في اللغة كل ما استقذر من عمل . يقال: رجس الرجل رجسًا ورجس إذا عمل عملًا قبيحًا ، وأصله من الرجس بفتح الراء ، وهو شدة الصوت . يقال: سحاب رجاس إذا كان شديد الصوت بالرعد فكان الرجس هو العمل الذي يكون قوي الدرجة كامل الرتبة في القبح .

الوصف الثاني: قوله { مِنْ عَمَلِ الشيطان } وهذا أيضًا مكمل لكونه رجسًا لأن الشيطان نجس خبيث لأنه كافر والكافر نجس لقوله { إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } [ التوبة: 28 ] والخبيث لا يدعو إلا إلى الخبيث لقوله { الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ } [ النور: 26 ] وأيضًا كل ما أضيف إلى الشيطان فالمراد من تلك الإضافة المبالغة في كمال قبحه . قال تعالى: { فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } [ القصص: 15 ] ثم إنه تعالى لما وصف هذه الأربعة بهذين الوصفين قال { فاجتنبوه } أي كونوا جانبًا منه ، والهاء عائدة إلى ماذا- فيه وجهان: الأول: أنها عائدة إلى الرجس ، والرجس واقع على الأربعة المذكورة ، فكان الأمر بالاجتناب متناولًا للكل . الثاني: أنها عائدة إلى المضاف المحذوف ، كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطيهما أو ما أشبه ذلك ، ولذلك قال: رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت