فهرس الكتاب

الصفحة 3334 من 8321

اعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه ليس المراد بقوله: { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما ذكره من قصة إبليس إذ لو كان المراد ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكلية ، وكان ذلك غاية الفساد في النظم والترتيب ، بل المراد ما ذكرناه في سائر الأجوبة من أن المقصود من الآية السابقة الرد على عبدة الأوثان . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله: { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئًا؟ وهم يخلقون . أي وهم مخلوقون يعني الأصنام .

فإن قيل: كيف وحد { يَخْلُقُ } ثم جمع فقال: { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } وأيضًا فكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس؟

والجواب عن الأول: أن لفظ { مَا } تقع على الواحد والاثنين والجمع ، فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها . ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله: { يَخْلُقُ } رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله: { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } رعاية لجانب المعنى .

والجواب عن الثاني: وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز؟ فنقول: لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه ، ونظيره قوله تعالى: { وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [ الأنبياء: 33 ] وقوله: { والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } [ يوسف: 4 ] وقوله: { يأَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم } [ النمل: 18 ] .

المسألة الثانية: قوله: { أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } احتج أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله ، قالوا: لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئًا وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها ، وهذا يقتضي أن كل من كان خالقًا كان إلهًا ، فلو كان العبد خالقًا لأفعال نفسه كان إلهًا ولما كان ذلك باطلًا ، علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه .

أما قوله تعالى: { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } يريد أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها . والنصر: المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادرًا على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك . فكيف يليق بالعاقل عبادتها؟

ثم قال: { وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروهًا فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه .

ثم قال: { وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور ، بين بهذه الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء ، والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر ، فكذا لا يصح فيه إذا دعى إلى الخير الأتباع . ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه ، ثم قوى هذا الكلام بقوله: { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } وهذا مثل قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت