فهرس الكتاب

الصفحة 4874 من 8321

اعلم أن قوله: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ } لفظتان ، فقوله: { وَمَا تِلْكَ } إشارة إلى العصا ، وقوله: { بِيَمِينِكَ } إشارة إلى اليد ، وفي هذا نكت ، إحداها: أنه سبحانه لما أشار إليهما جعل كل واحدة منهما معجزًا قاهرًا وبرهانًا باهرًا ، ونقله من حد الجمادية إلى مقام الكرامة ، فإذا صار الجماد بالنظر الواحد حيوانًا ، وصار الجسم الكثيف نورانيًا لطيفًا ، ثم إنه تعالى ينظر كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة إلى قلب العبد ، فأي عجب لو انقلب قلبه من موت العصيان إلى سعادة الطاعة ونور المعرفة . وثانيها: أن بالنظر الواحد صار الجماد ثعبانًا يبتلع سحر السحرة ، فأي عجب لو صار القلب بمدد النظر الإلهي بحيث يبتلع سحر النفس الأمارة بالسوء . وثالثها: كانت العصا في يمين موسى عليه السلام فبسبب بركة يمينه انقلبت ثعبانًا وبرهانًا ، وقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن فإذا حصلت ليمين موسى عليه السلام هذه الكرامة والبركة ، فأي عجب لو انقلب قلب المؤمن بسبب إصبعي الرحمن من ظلمة المعصية إلى نور العبودية ، ثم ههنا سؤالات: الأول: قوله: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } سؤال ، والسؤال إنما يكون لطلب العلم وهو على الله تعالى محال فما الفائدة فيه . والجواب فيه فوائد: إحداها: أن من أراد أن يظهر من الشيء الحقير شيئًا شريفًا فإنه يأخذه ويعرضه على الحاضرين ويقول لهم: هذا ما هو؟ فيقولون هذا هو الشيء الفلاني ثم إنه بعد إظهار صفته الفائقة فيه يقول لهم خذا منه كذا وكذا . فالله تعالى لما أراد أن يظهر من العصا تلك الآيات الشريفة كانقلابها حية ، وكضربه البحر حتى انفلق ، وفي الحجر حتى انفجر منه الماء ، عرضه أولًا على موسى فكأنه قال له: يا موسى هل تعرف حقيقة هذا الذي بيدك وأنه خشبة لا تضر ولا تنفع ، ثم إنه قلبه ثعبانًا عظيمًا ، فيكون بهذا الطريق قد نبه العقول على كمال قدرته ونهاية عظمته من حيث إنه أظهر هذه الآيات العظيمة من أهون الأشياء عنده فهذا هو الفائدة من قوله: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } . وثانيها: أنه سبحانه لما أطلعه على تلك الأنوار المتصاعدة من الشجرة إلى السماء وأسمعه تسبيح الملائكة ثم أسمعه كلام نفسه ، ثم إنه مزج اللطف بالقهر فلاطفه أولًا بقوله: { وَأَنَا اخترتك } ثم قهره بإيراد التكاليف الشاقة عليه وإلزامه علم المبدأ والوسط والمعاد ثم ختم كل ذلك بالتهديد العظيم ، تحير موسى ودهش وكاد لا يعرف اليمين من الشمال فقيل له: { وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى } ليعرف موسى عليه السلام أن يمينه هي التي فيها العصا ، أو لأنه لما تكلم معه أولًا بكلام الإلهية وتحير موسى من الدهشة تكلم معه بكلام البشر إزالة لتلك الدهشة والحيرة ، والنكتة فيه أنه لما غلبت الدهشة على موسى في الحضرة أراد رب العزة إزالتها فسأله عن العصا وهو لا يقع الغلط فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت