فهرس الكتاب

الصفحة 2179 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر الوعيد أتبعه بتفصيل ما يتعلق به فذكر هذه الآية ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر . روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة ، فمن عمل شيئا منها فليستغفر الله ، فان الله تعالى لا يخلد في النار من هذه الأمة إلا راجعا عن الاسلام ، أو جاحدا فريضة ، أو مكذبا بقدر . واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه:

الحجة الأولى: هذه الآية ، فان الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر .

الحجة الثانية: قوله تعالى: { وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ } [ القمر: 53 ] وقوله: { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } [ الكهف: 49 ] .

الحجة الثالثة: ان الرسول E نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر ، كقوله: « الكبائر: الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس » وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر .

الحجة الرابعة: قوله تعالى: { وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } [ الحجرات: 7 ] وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر ، وثانيها: الفسوق . وثالثها: العصيان ، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف ، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر ، فالكبائر هي الفسوق ، والصغائر هي العصيان . واحتج ابن عباس بوجهين: أحدهما: كثرة نعم من عصى . والثاني: إجلال من عصى ، فان اعتبرنا الأول فنعم الله غير متناهية ، كما قال: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } [ النحل: 18 ] وان اعتبرنا الثاني فهو أجل الموجودات وأعظمها ، وعلى التقديرين وجب أن يكون عصيانه في غاية الكبر ، فثبت أن كل ذنب فهو كبيرة .

والجواب من وجهين: الأول: كما أنه تعالى أجل الموجودات وأشرفها ، فكذلك هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، وأغنى الأغنياء عن طاعات المطيعين وعن ذنوب المذنبين ، وكل ذلك يوجب خفة الذنب . الثاني: هب أن الذنوب كلها كبيرة من حيث أنها ذنوب ، ولكن بعضها أكبر من بعض ، وذلك يوجب التفاوت . إذا ثبت أن الذنوب على قسمين بعضها صغائر وبعضها كبائر ، فالقائلون بذلك فريقان: منهم من قال: الكبيرة تتميز عن الصغيرة في نفسها وذاتها ، ومنهم من قال: هذا الامتياز إنما يحصل لا في ذواتها ، بل بحسب حال فاعليها ، ونحن نشرح كل واحد من هذين القولين .

أما القول الأول: فالذاهبون اليه والقائلون به اختلفوا اختلافا شديدًا ، ونحن نشير إلى بعضها ، فالأول: قال ابن عباس: كل ما جاء في القرآن مقرونا بذكر الوعيد فهو كبيرة ، نحو قتل النفس المحرمة وقذف المحصنة والزنا والربا وأكل مال اليتيم والفرار من الزحف . الثاني: قال ابن مسعود: افتتحوا سورة النساء ، فكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثين آية فهو كبيرة ، ثم قال: مصداق ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت