فهرس الكتاب

الصفحة 4091 من 8321

واعلم أنهم لما تفكروا في الأصوب ما هو ظهر لهم أن الأصوب هو الرجوع ، وأن يذكروا لأبيهم كيفية الواقعة على الوجه من غير تفاوت ، والظاهر أن هذا القول قاله ذلك الكبير الذي قال: { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى } قيل إنه روبيل ، وبقي هو في مصر وبعث سائر إخوته إلى الأب .

فإن قيل: كيف حكموا عليه بأنه سرق من غير بينة ، لا سيما وهو قد أجاب بالجواب الشافي ، فقال الذي جعل الصواع في رحلي هو الذي جعل البضاعة في رحلكم .

والجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أنهم شاهدوا أن الصواع كان موضوعًا في موضع ما كان يدخله أحد إلا هم ، فلما شاهدوا أنهم أخرجوا الصواع من رحله غلب على ظنونهم أنه هو الذي أخذ الصواع ، وأما قوله: وضع الصواع في رحلي من وضع البضاعة في رحالكم فالفرق ظاهر ، لأن هناك لما رجعوا بالبضاعة إليهم اعترفوا بأنهم هم الذين وضعوها في رحالهم ، وأما هذا الصواع فإن أحدًا لم يعترف بأنه هو الذي وضع الصواع في رحله فظهر الفرق فلهذا السبب غلب على ظنونهم أنه سرق ، فشهدوا بناء على هذا الظن ، ثم بينهم غير قاطعين بهذا الأمر بقولهم: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافظين } .

والوجه الثاني: في الجواب أن تقدير الكلام { إِنَّ ابنك سَرَقَ } في قول الملك وأصحابه ومثله كثير في القرآن . قال تعالى: { إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد } [ هود: 87 ] أي عند نفسك ، وقال تعالى: { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } [ الدخان: 49 ] أي عند نفسك وأما عندنا فلا فكذا ههنا .

الوجه الثالث: في الجواب أن ابنك ظهر عليه ما يشبه السرقة ومثل هذا الشيء يسمى سرقة فإن إطلاق اسم أحد الشبيهين على الشبيه الآخر جائز في القرآن قال تعالى: { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] .

الوجه الرابع: أن القوم ما كانوا أنبياء في ذلك الوقت فلا يبعد أن يقال: إنهم ذكروا هذا الكلام على سبيل المجازفة لا سيما وقد شاهدوا شيئًا يوهم ذلك .

الوجه الخامس: أن ابن عباس Bهما كان يقرأ { إِنَّ ابنك سَرَقَ } بالتشديد ، أي نسب إلى السرقة فهذه القراءة لا حاجة بها إلى التأويل لأن القوم نسبوه إلى السرقة ، إلا أنا ذكرنا في هذا الكتاب أن أمثال هذه القراآت لا تدفع السؤال ، لأن الإشكال إنما يدفع إذا قلنا القراءة الأولى باطلة ، والقراءة الحقة هي هذه . أما إذا سلمنا أن القراءة الأولى حقة كان الإشكال باقيًا سواء صحت هذه القراءة الثانية أو لم تصح ، فثبت أنه لا بد من الرجوع إلى أحد الوجوه المذكورة أما قوله: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } فمعناه ظاهر لأنه يدل على أن الشهادة غير العلم بدليل قوله تعالى: { وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } وذلك يقتضي كون الشهادة مغايرة للعلم ولأنه عليه السلام قال: إذا علمت مثل الشمس فاشهد ، وذلك أيضًا يقتضي ما ذكرنا وليست الشهادة أيضًا عبارة عن قوله أشهد لأن قوله أشهد إخبار عن الشهادة والإخبار عن الشهادة غير الشهادة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت