فهرس الكتاب

الصفحة 834 من 8321

اعلم أنه تعالى بين كيفية حال إبراهيم عليه السلام حين كلفه بالإمامة ، وهذا شرح التكليف الثاني ، وهو التكليف بتطهير البيت ، ثم نقول: أما البيت فإنه يريد البيت الحرام ، واكتفى بذكر البيت مطلقًا لدخول الألف واللام عليه ، إذا كانتا تدخلان لتعريف المعهود أو الجنس ، وقد علم المخاطبون أنه لم يرد به الجنس فانصرف إلى المعهود عندهم وهو الكعبة ، ثم نقول: ليس المراد نفس الكعبة ، لأنه تعالى وصفه بكونه ( أمنًا ) وهذا صفة جميع الحرم لا صفة الكعبة فقط والدليل على أنه يجوز إطلاق البيت والمراد منه كل الحرم قوله تعالى: { هَدْيًا بالغ الكعبة } [ المائدة: 95 ] والمراد الحرم كله لا الكعبة نفسها ، لأنه لا يذبح في الكعبة ، ولا في المسجد الحرام وكذلك قوله: { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } [ التوبة: 28 ] ، والمراد والله أعلم منعهم من الحج حضور مواضع النسك ، وقال في آية أخرى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا } [ العنكبوت: 67 ] وقال الله تعالى في آية أخرى مخبرًا عن إبراهيم: { رَبِّ اجعل هذا البلد امِنًا } [ إبراهيم: 35 ] فدل هذا على أنه وصف البيت بالأمن فاقتضى جميع الحرم ، والسبب في أنه تعالى أطلق لفظ البيت وعنى به الحرم كله أن حرمة الحرم لما كانت معلقة بالبيت جاز أن يعبر عنه باسم البيت .

أما قوله تعالى: { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أهل اللغة: أصله من ثاب يثوب مثابة وثوبًا إذا رجع يقال: ثاب الماء إذا رجع إلى النهر بعد انقطاعه ، وثاب إلى فلان عقله أي رجع وتفرق عنه الناس ، ثم ثابوا: أي عادوا مجتمعين ، والثواب من هذا أخذ ، كأن ما أخرجه من مال أو غيره فقد رجع إليه ، والمثاب من البئر: مجتمع الماء في أسفلها ، قال القفال قيل: إن مثابًا ومثابة لغتان مثل: مقام ومقامة وهو قول الفراء والزجاج ، وقيل: الهاء إنما دخلت في مثابة مبالغة كما في قولهم: نسابة وعلامة ، وأصل مثابة مثوبة مفعلة .

المسألة الثانية: قال الحسن: معناه أنهم يثوبون إليه في كل عام ، وعن ابن عباس ومجاهد: أنه لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه ، قال الله تعالى: { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ } [ إبراهيم: 37 ] وقيل: مثابة أي يحجون إليه فيثابون عليه ، فإن قيل: كون البيت مثابة يحصل بمجرد عودهم إليه ، وذلك يحصل بفعلهم لا بفعل الله تعالى ، فما معنى قوله: { وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ } قلنا: أما على قولنا ففعل العبد مخلوق لله تعالى فهذه الآية حجة على قولنا في هذه المسألة ، وأما على قول المعتزلة فمعناه أنه تعالى ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعيًا لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى ، وإنما فعل الله تعالى ذلك لما فيه من منافع الدنيا والآخرة ، أما منافع الدنيا فلأن أهل المشرق والمغرب يجتمعون هناك ، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع ، وأيضًا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطريق والبلاد ، ومشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا ، وأما منافع الدين فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله تعالى ، وإظهار العبودية له ، والمواظبة على العمرة والطواف ، وإقامة الصلاة في ذلك المسجد المكرم والاعتكاف فيه ، يستوجب بذلك ثوابًا عظيمًا عند الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت