فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 8321

{ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } [ الإسراء: 44 ] وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية . وثالثها: أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم ، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين ، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله } [ النحل: 53 ] ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال: { فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ الإسراء: 19 ] فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى ، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال: { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ } [ عبس: 17 ] فهو تعالى وفى بعهده ، وأنت نقضت عهدك . ورابعها: أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته ، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك: { كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّءاهُ استغنى } [ العلق: 6 ، 7 ] . وخامسها: أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسنًا إلى الفقراء: { وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم: { الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } [ الحديد: 24 ] [ النساء: 37 ] . وسادسها: أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلًا على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة ، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولًا بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا ههنا ، واعلم أنا لو اشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكرًا على حدة وخدمة على حدة ، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها ، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم ، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم ، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم ، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعًا وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعًا ، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } وهذا تخويف شديد لكنا نقول: إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل ، فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت