فهرس الكتاب

الصفحة 8147 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر حال الكفار أولًا في قوله: { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } [ البينة: 1 ] ثم ذكر ثانيًا حال المؤمنين في قوله: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله } [ البينة: 5 ] أعاد في آخر هذه السورة ذكر كلا الفريقين ، فبدأ أيضًا بحال الكفار ، فقال: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } واعلم أنه تعالى ذكر من أحوالهم أمرين أحدهما: الخلود في نار جهنم والثاني: أنهم شر الخلق ، وههنا سؤالات:

السؤال الأول: لم قدم أهل الكتاب على المشركين في الذكر؟ الجواب: من وجوه أحدها: أنه E ، كان يقدم حق الله سبحانه على حق نفسه ، ألا ترى أن القوم لما كسروا رباعيته قال: « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » ولما فاتته صلاة العصر يوم الخندق قال: « اللهم املأ بطونهم وقبورهم نارًا » فكأنه عليه السلام قال: كانت الضربة ثم على وجه الصورة ، وفي يوم الخندق على وجه السيرة التي هي الصلاة ، ثم إنه سبحانه قضاه ذلك فقال: كما قدمت حقي على حقك فأنا أيضًا أقدم حقك على حق نفسي ، فمن ترك الصلاة طول عمره لا يكفر ومن طعن في شعرة من شعراتك يكفر . إذا عرفت ذلك فنقول: أهل الكتاب ما كانوا يطعنون في الله بل في الرسول ، وأما المشركون فإنهم كانوا يطعنون في الله ، فلما أراد الله تعالى في هذه الآية أن يذكر سوء حالهم بدأ أولًا في النكاية بذكر من طعن في محمد E وهم أهل الكتاب ، ثم ثانيا بذكر من طعن فيه تعالى وهم المشركون وثانيها: أن جناية أهل الكتاب في حق الرسول عليه السلام كانت أعظم ، لأن المشركين رأوه صغيرًا ونشأ فيما بينهم ، ثم سفه أحلامهم وأبطل أديانهم ، وهذا أمر شاق ، أما أهل الكتاب فقد كانوا يستفتحون برسالته ويقرون بمبعثه فلما جاءهم أنكروه مع العلم به فكانت جنايتهم أشد .

السؤال الثاني: لم ذكر: { كَفَرُواْ } بلفظ الفعل: { والمشركين } باسم الفاعل؟ والجواب: تنبيهًا على أن أهل الكتاب ما كانوا كافرين من أول الأمر لأنهم كانوا مصدقين بالتوراة والإنجيل ، ومقرين بمبعث محمد A ، ثم إنهم كفروا بذلك بعد مبعثه عليه السلام بخلاف المشركين فإنهم ولدوا على عبادة الأوثان وإنكار الحشر والقيامة .

السؤال الثالث: أن المشركين كانوا ينكرون الصانع وينكرون النبوة وينكرون القيامة ، أما أهل الكتاب فكانوا مقرين بكل هذه الأشياء إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد A ، فكان كفر أهل الكتاب أخف من كفر المشركين ، وإذا كان كذلك فكيف يجوز التسوية بين الفريقين في العذاب؟ والجواب: يقال: بئر جهنام إذا كان بعيد القعر ، فكأنه تعالى يقول تكبروا طلبًا للرفعة فصاروا إلى أسفل السافلين ، ثم إن الفريقين وإن اشتراكا في ذلك لكنه لا ينافي اشتراكهم في هذا القدر تفاوتهم في مراتب العذاب ، واعلم أن الوجه في حسن هذا العذاب أن الإساءة على قسمين إساءة إلى من أساء إليك وإساءة إلى من أحسن إليك ، وهذا القسم الثاني هو أقبح القسمين والإحسان أيضًا على قسمين إحسان إلى من أحسن إليك ، وإحسان إلى من أساء إليك ، وهذا أحسن القسمين ، فكان إحسان الله إلى هؤلاء الكفار أعظم أنواع الإحسان وإساءتهم وكفرهم أقبح أنواع الإساءة ، ومعلوم أن العقوبة إنما تكون بحسب الجناية ، فبالشتم تعزير وبالقذف حد وبالسرقة قط ، وبالزنا رجم ، وبالقتل قصاص ، بل شتم المماثل يوجب التعزير ، والنظر الشزر إلى الرسول يوجب القتل ، فلما كانت جناية هؤلاء الكفار أعظم الجنايات ، لا جرم استحقوا أعظم العقوبات ، وهو نار جهنم ، فإنها نار في موضع عميق مظلم هائل لا مفر عنه ألبتة ، ثم كأنه قال قائل: هب أنه ليس هناك رجاء الفرار ، فهل هناك رجاء الإخراج؟ فقال: لا بل يبقون خالدين فيها ، ثم كأنه قيل: فهل هناك أحد يرق قلبه عليهم؟ فقال: لا بل يذمونهم ، ويلعنونهم لأنهم شر البرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت