تلظى أي تتوقد وتتلهب وتتوهج ، يقال: تلظت النار تلظيًا ، ومنه سميت جهنم لظى ، ثم بين أنها لمن هي بقوله: { لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى } قال ابن عباس: نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمدًا والأنبياء قبله ، وقيل: إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال: لست فيها بأوحد أي بواحد ، فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات الله ، وتولى أي أعرض عن طاعة الله . واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد إلا على الكفار ، قال القاضي: ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه أحدها: أنه يقتضي أن لا يدخل النار إلا الأَشقى الذي كذب وتولى فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار وثانيها: أن هذا إغراء بالمعاصي ، لأنه بمنزلة أن يقول الله تعالى: لمن صدق بالله ورسوله ولم يكذب ولم يتول: أي معصية أقدمت عليها ، فلن تضرك ، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة ، وتعالى الله عن ذلك وثالثها: أن قوله تعالى: من بعد { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى } [ الليل: 17 ] يدل على ترك هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق ، أنه ليس بأتقى ، لأن ذلك مبالغة في التقوى ، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى ، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار ، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب النار ، وكل مكلف لا يجنب النار ، فلا بد وأن يكون من أهلها ، ولما ثبت أنه لا بد من التأويل ، فنقول: فيه وجهان الأول: أن يكون المراد بقوله: { نَارًا تلظى } نارًا مخصوصة من النيران ، لأنها دركات لقوله تعالى: { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء: 145 ] فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى ، ولا تدل على أن الفاسق وغير من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني: أن المراد بقوله: { نَارًا تلظى } النيران أجمع ، ويكون المراد بقوله: { لاَ يصلاها إِلاَّ الأشقى } أي هذا الأشقى به أحق ، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى . واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة .
أما قوله أولًا: يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه: أن كل كافر لا بد وأن يكون مكذبًا للنبي في دعواه ، ويكون متوليًا عن النظر في دلالة صدق ذلك النبي ، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة ، وأنه كذب وتولى وإذا كان كل كافر داخلًا في الآية سقط ما قاله القاضي .
وأما قوله ثانيًا: إن هذا إغراء بالمعصية فضعيف أيضًا ، لأنه يكفي في الزجر عن المعصية حصول الذم في العاجل وحصول غضب الله بمعنى أنه لا يكرمه ولا يعظمه ولا يعطيه الثواب ، ولعله يعذبه بطريق آخر ، فلم يدل دليل على انحصار طريق التعذيب في إدخال النار .