اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال ، ثم حث أولًا: بقوله { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث } [ البقرة: 267 ] وثانيًا: بقوله { الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر } [ البقرة: 268 ] حيث عليه ثالثًا: بقوله { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في قوله { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } على اختصاره ، يفيد الوعد العظيم للمطيعين ، والوعيد الشديد للمتمردين ، وبيانه من وجوه أحدها: أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نيّة الرياء والسمعة وثانيها: أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات ، كما قال: { إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } [ المائدة: 27 ] وقوله { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [ الزلزلة: 7 ، 8 ] وثالثها: أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئًا منها ، ولا يشتبه عليه شيء منها .
/المسألة الثانية: إنما قال: { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } ولم يقل: يعلمها ، لوجهين الأول: أن الضمير عائد إلى الأخير ، كقوله { وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا } وهذا قول الأخفش ، والثاني: أن الكتابة عادت إلى ما في قوله { وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } لأنها اسم كقوله { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة يَعِظُكُم بِهِ } [ البقرة: 231 ] .
المسألة الثالثة: النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال: نذر ينذر ، وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ، وأنذرت القوم إنذارًا بالتخويف ، وفي الشريعة على ضربين: مفسر وغير مفسر ، فالمفسر أن يقول: لله عليّ عتق رقبة ، ولله علي حج ، فههنا يلزم الوفاء به ، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول: نذرت لله أن لا أفعل كذا ثم يفعله ، أو يقول: لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين ، لقوله A: « من نذر نذرًا وسمى فعليه ما سمى ، ومن نذر نذرًا ولم يسم فعليه كفارة يمين »
أما قوله تعالى: { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: أنه وعيد شديد للظالمين ، وهو قسمان ، أما ظلمه نفسه فذاك حاصل في كل المعاصي ، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الانفاق عن المستحق إلى غيره ، أو يكون نيته في الانفاق على المستحق الرياء والسمعة ، أو يفسدها بالمعاصي ، وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير ، بل من باب الظلم على النفس .
المسألة الثانية: المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر ، قالوا: لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصارًا لهم وذلك يبطل قوله تعالى: { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } .