فهرس الكتاب

الصفحة 2445 من 8321

أعلم أن هذا من صفات اليهود الذين تقدم ذكرهم ، والمراد أنهم كفروا بمحمد وبالقرآن وصدوا غيرهم عن سبيل الله ، وذلك بإلقاء الشبهات في قلوبهم نحو قولهم: لو كان رسولًا لأتى بكتابه دفعة واحدة من السماء كما نزلت التوراة على موسى ، وقولهم: إن الله تعالى ذكر في التوراة أن شريعة موسى لا تبدل ولا تنسخ إلى يوم القيامة ، وقولهم: إن الأنبياء لا يكونون إلا من ولد هارون وداود ، وقوله { قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيدًا } وذلك لأن أشد الناس ضلالًا من كان ضالًا ويعتقد في نفسه أنه محق ، ثم إنه يتوسل بذلك الضلال إلى اكتساب المال والجاه ، ثم إنه يبذل كنه جهده في إلقاء غيره في مثل ذلك الضلال ، فهذا الإنسان لا شك أنه قد بلغ في الضلال إلى أقصى الغايات وأعظم النهايات ، فلهذا قال تعالى في حقهم { قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيدًا } ولما وصف تعالى كيفية ضلالهم ذكر بعده وعيدهم فقال: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } محمدًا بكتمان ذكر بعثته وظلموا عوامهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم { لَّمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ } .

واعلم أنا إن حملنا قوله { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } على المعهود السابق لم يحتج إلى إضمار شرط في هذا الوعيد ، لأنا نحمل الوعيد في الآية على أقوام علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ، وإن حملناه على الاستغراق أضمرنا فيه شرط عدم التوبة ، ثم قال { وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ } .

ثم قال تعالى: { خالدين فِيهَا أَبَدًا } والمعنى أنه تعالى لا يهديهم يوم القيامة إلى الجنة بل يهديهم إلى طريق جهنم { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيرًا } انتصب خالدين على الحال ، والعامل فيه معنى لا ليهديهم لأنه بمنزلة نعاقبهم خالدين ، وانتصب { أَبَدًا } على الظرف ، وكان ذلك على الله يسيرًا ، والمعنى لا يتعذر عليه شيء فكان إيصال الألم إليهم شيئًا بعد شيء إلى غير النهاية يسيرًا عليه وإن كان متعذرًا على غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت