اعلم أن المقصود من هذه الآية أيضًا ، شرح أحوال المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال أهل المعاني: قوله: { أَلَمْ تَعْلَمْ } خطاب لمن حاول الإنسان تعليمه مدة وبالغ في ذلك التعليم ثم إنه لم يعلم فيقال له: ألم تعلم بعد هذه الساعات الطويلة والمدة المديدة ، وإنما حسن ذلك لأنه طال مكث رسول الله A معهم ، وكثرت نهاياته للتحذير عن معصية الله والترغيب في طاعته ، فالضمير في قوله: { أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله } ضمير الأمر والشأن ، والمعنى: أن الأمر والشأن كذا وكذا . والفائدة في هذا الضمير هو أنه لو ذكر بعد كلمة { أن } ذلك المبتدأ والخبر لم يكن له كثير وقع . فأما إذا قلت الأمر والشأن كذا وكذا أوجب مزيد تعظيم وتهويل لذلك الكلام . وقوله: { مَن يُحَادِدِ الله } قال الليث: حاددته أي خالفته ، والمحاددة كالمجانبة والمعاداة والمخالفة ، واشتقاقه من الحد ، ومعنى حاد فلان فلانًا ، أي صار في حد غيره حده كقوله: شاقه أي صار في شق غير شقه ، ومعنى { يُحَادِدِ الله } أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة . وقال أبو مسلم: المحادة مأخوذة من الحديد حديد السلاح ، ثم للمفسرين ههنا عبارات: يخالف الله ، وقيل يحارب الله ، وقيل يعاند الله . وقيل يعاد الله .
ثم قال: { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } وفيه وجوه: الأول: التقدير: فحق أن له نار جهنم . الثاني: معناه فله نار جهنم ، وإن تكرر للتوكيد . الثالث: أن نقول جواب { مِنْ } محذوف ، والتقدير: ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فأن له نار جهنم . قال الزجاج: ويجوز كسر { إن } على الاستئناف من بعد الفاء والقراءة بالفتح . ونقل الكعبي في «تفسيره» أن القراءة بالكسر موجودة . قال أبو مسلم جهنم من أسماء النار ، وأهل اللغة يحكون عن العرب أن البئر البعيدة القعر تسمى الجهنام عندهم ، فجاز في جهنم أن تكون مأخوذة من هذا اللفظ ، ومعنى بعد قعرها أنه لا آخر لعذابها ، والخالد: الدائم ، والخزي قد يكون بمعنى الندم وبمعنى الاستحياء ، والندم هنا أولى . لقوله تعالى: { وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } [ يونس: 54 ] .