وفيه وجوه مشهورة أحدها: أن جبريل دنا من النبي A أي بعد ما مد جناحه وهو بالأفق عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقرب من النبي A وعلى هذا ففي { تدلى } ثلاثة وجوه أحدها: فيه تقديم وتأخير تقديره ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي A الثاني: الدنو والتدلي بمعنى واحد كأنه قال دنا فقرب الثالث: دنا أي قصد القرب من محمد A وتحرك عن المكان الذي كان فيه فتدلى فنزل إلى النبي A الثاني: على ما ذكرنا من الوجه الأخير في قوله { وَهُوَ بالأفق الأعلى } [ النجم: 7 ] أن محمدًا A دنا من الخلق والأمة ولان لهم وصار كواحد منهم { فتدل } أي فتدلى إليهم بالقول اللين والدعاء الرفيق فقال: { إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ } [ فصلت: 6 ] وعلى هذا ففي الكلام كما لان كأنه تعالى قال إلا وحي يوحي جبريل على محمد ، فاستوى محمد وكمل فدنا من الخلق بعد علوه وتدلى إليهم وبلغ الرسالة الثالث: وهو ضعيف سخيف ، وهو أن المراد منه هو ربه تعالى وهو مذهب القائلين بالجهة والمكان ، اللّهم إلا أن يريد القرب بالمنزلة ، وعلى هذا يكون فيه ما في قوله A حكاية عن ربه تعالى « من تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا ، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا ، ومن مشى إليّ أتيته هرولة » إشارة إلى المعنى المجازي ، وههنا لما بيّن أن النبي A استوى وعلا في المنزلة العقلية لا في المكان الحسي قال وقرب الله منه تحقيقًا لما في قوله « من تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا » .