فهرس الكتاب

الصفحة 7359 من 8321

أخبر الله تعالى بشنيع مقالتهم فقال: { هُمُ الذين يَقُولُونَ } كذا وكذا: { وينفضوا } أي يتفرقوا ، وقرىء: { يَنفَضُّواْ } من أنفض القوم إذا فنيت أزوادهم ، قال المفسرون: اقتتل أجير عمر مع أجير عبد الله بن أبي في بعض الغزوات فأسمع أجير عمر عبد الله بن أبي المكروه واشتد عليه لسانه ، فغضب عبد الله وعنده رهط من قومه فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله A ثم أقبل على قومه فقال: لو أمسكتم النفقة عن هؤلاء يعني المهاجرين لأوشكوا أن يتحولوا عن دياركم وبلادكم فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من حول محمد فنزلت ، وقرىء: { لَيُخْرِجَنَّ } بفتح الياء ، وقرأ الحسن وابن أبي عيلة: { لَنَخْرُجَنَّ } بالنون ونصب الأعز والأذل ، وقوله تعالى: { وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السموات والأرض } قال مقاتل: يعني مفاتيح الرزق والمطر والنبات ، والمعنى أن الله هو الرزاق: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض } [ يونس: 31 ] وقال أهل المعاني: خزائن الله تعالى مقدوراته لأن فيها كل ما يشاء مما يريد إخراجه ، وقال الجنيد: خزائن الله تعالى في السموات الغيوب وفي الأرض القلوب وهو علام الغيوب ومقلب القلوب ، وقوله تعالى: { ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ } أي لا يفقهون أن: { أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } [ ياس: 82 ] وقوله يقولون: { لَئِن رَّجَعْنَا } أي من تلك الغزوة وهي غزوة بني المصطلق إلى المدينة فرد الله تعالى عليه وقال: { وَلِلَّهِ العزة } أي الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده من رسوله ومن المؤمنين وعزهم بنصرته إياهم وإظهار دينهم على سائر الأديان وأعلم رسوله بذلك ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولو علموه ما قالوا: مقالتهم هذه ، قال صاحب «الكشاف» : { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } وهم الأخصاء بذلك كما أن المذلة والهوان للشيطان وذويه من الكافرين والمنافقين ، وعن بعض الصالحات وكانت في هيئة رثة ألست على الإسلام وهو العز الذي لا ذل معه ، والغنى الذي لا فقر معه ، وعن الحسن بن علي Bهما أن رجلًا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيهًا قال: ليس بتيه ولكنه عزة فإن هذا العز الذي لا ذل معه والغنى الذي لا فقر معه ، وتلا هذه الآية قال بعض العارفين في تحقيق هذا المعنى: العزة غير الكبر ولا يحل للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها عن أن يضعها لأقسام عاجلة دنيوية كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلها فالعزة تشبه الكبر من حيث الصورة ، وتختلف من حيث الحقيقة كاشتباه التواضع بالضعة والتواضع محمود ، والضعة مذمومة ، والكبر مذموم ، والعزة محمودة ، ولما كانت غير مذمومة وفيها مشاكلة للكبر ، قال تعالى: { ذَلِكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق } وفيه إشارة خفية لإثبات العزة بالحق ، والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الضعة وقوف على صراط العزة المنصوب على متن نار الكبر ، فإن قيل: قال في الآية الأولى: { لاَّ يَفْقَهُونَ } وفي الأخرى { لاَّ يَعْلَمُونَ } فما الحكمة فيه؟ فنقول: ليعلم بالأول قلة كياستهم وفهمهم ، وبالثاني كثرة حماقتهم وجهلهم ، ولا يفقهون من فقه يفقه ، كعلم يعلم ، ومن فقه يفقه: كعظم يعظم ، والأول لحصول الفقه بالتكلف والثاني لا بالتكلف ، فالأول علاجي ، والثاني مزاجي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت